Las primeras 200 líneas.
تعدّ أفغانستان واحدة من أكثر الأراضي القاحلة والمنعزلة عن العالم
فمن الصعب الإعتقاد أن أية إمبراطورية قد ترغب بغزوها
ومع هذا، باتت هاجساً وهدفاً بعيداً لبعض الإمبراطوريات العظمى والقوى الكبرى
في عام 1839، وعلى مقربة من أسوار هذه المدينة، كابول
مر المحاربون البريطانيون في معركة واترلو
وفي عام 1879، هاجمت القوات البريطانية كابول تصاحبها موسيقى القِرَب
في عام 1979، أغارت القوات الروسية الخاصة بمروحياتها فوق هذه التلال
وفي عام 2001، غزت قوات التحالف أفغانستان بقيادة أميركا
وقد انتهت كل من هذه الغزوات بنهاية مأساوية ومشينة، مُشعلة في كل منها مقاومة أفغانية شرسة
لم ولن نرضى أن نُحتل يوماً
من السهل حقاً دخول أفغانستان
لكن الخروج منها هو الجزء الأصعب
إياك أن تدخل أفغانستان، لأنك مهما فعلت ستتورط في حرب قبلية
بدءا من الغزوات البريطانية في القرن التاسع عشر
كيف شكّل هذا التاريخ أفغانستان اليوم
وما هي حقيقة هذا المكان وجنون عظمة الإمبراطوريات وعدوانها الذي ما أنفك يخلق مأساة متكررة؟
في هاتين الحلقتين أود الكشف عن السبب الذي جرّ هذه الأمم العظمى إلى أفغانستان
ولماذا وجدوا الخروج منها صعباً للغاية
) ترجمة: سناء حسن بركات
لفهم بعض التعقيدات في واقع أفغانستان ،التي تعرضت للغزو في العصر الفكتوري
لستَ بحاجة حتى إلى ترك لندن الحديثة
جئت الى ضاحية ايلينغ لحضور أمسية تشتمل على طعام وموسيقى وأزياء أفغانية
مع مجموعة من الأفغان تقيم غرب لندن حالياً
في هذه الغرفة تتواجد مجموعات عرقية مذهلة
من البشتون، والطاجيك، والهزار والتركمان، ونورستان، وجميعهم أفغان
وجميعهم لديهم أراء سياسية ودينية مختلفة
وقد أدت الإنقسامات وتداعيات الحرب إلى فرار أكثر من خمسة ملايين أفغاني خارج بلادهم منذ الثمانينات
هل تعتقد على سبيل المثال يجب على بريطانيا البقاء في هلمند؟
حتى يقيموا البنية التحتية بطريقة سليمة، أعتقد أن عليهم البقاء
ألا تعتقد أنه على بريطانيا البقاء في هملند؟ - بالطبع لا -
صورة مصغرة من المجتمع الأفغاني هناك في تلك الغرفة
وبعض هؤلاء الناس يجلسون معاً حول الطاولة الآن
وفي خضم تلك الوقائع والشبهات في من انضم للجهاد ومن جاء من أية جماعة عرقية
مازالت تخيّم كثير من التصدعات على أفغانستان حتى اليوم
وكل هذا التعقيد وتاريخ الأفغان القديم والحديث على حد سواء
الذي يصعب فهمه وغالباً ما يتم تجاهله مازال بالنسبة لنا مهما جدا اليوم
ويشغل بال المعلقين باستمرار
مثل البروفيسور أكبر أحمد الذي جئت لمقابلته هنا في العاصمة واشنطن
البروفيسور أحمد ، هو باكستاني وقد عمل سابقاً كمسؤول على الحدود الشمالية الغربية مع أفغانستان
وصل إلى الولايات المتحدة حيث يقوم بالتدريس في الوقت الحاضر
قبل يوم من الهجوم على مركز التجارة العالمي
لكن نداءه المباشر إلى البيت الأبيض للتحذير لم يلقَ آذاناً صاغية
اعتقد حتى تاريخ 11/9 لم تكن هناك أدنى فكرة للإدارة الأمريكية عن أفغانستان
وعن قبائلها وتاريخها
لكن هنالك دوافع قوية جداً حركتها كالشعور بالغضب والإنتقام والشرف
كل ذلك كان حصيلته الاندفاع نحو أفغانستان
قلت إن ثمة عديد من القوى العظمى التي اجتاحت أفغانستان
حذار جدا
وتلك هي المشكلة الكبرى عندما تجمع ما بين الغطرسة
مع قلة المعرفة لذلك الجزء من العالم
فإنك بالتأكيد ستقع بمشاكل
لمست ذلك التوتر بنفسي عندما دخلت أفغانستان بُعيد أحداث 11/9
وجدتها بلداً مضيافاً وجذاباً لكن مازالت محافظة جداً ومنعزلة ومن الصعب على الأجنبي أن يفهمها
جعلتني أفكر مليًا في القوى العظمى
التي غزت جبال أفغانستان مرارًا وكيفية وقوعها ضحية لألاعيبها الإستراتيجية
وأصبحوا منقطعين عن الواقع بسهولة وفاشلين بإدراك تعقيدات ومناعة أفغانستان
وشعرت أن الحال ينطبق على البريطانيين في القرن التاسع عشر
عندما جاءوا وركزوا اهتمامهم ليس على أفغانستان نفسها وإنما على جيرانها
لو كنت جندياً بريطانياً أقف على هذا الجدار في عام 1839
لأخبِرتُ أن سبب وجودي هنا
هو وقوع الهند البريطانية إلى الشرق وروسيا إلى الشمال
وأفغانستان كانت محاصرة بين امبراطوريتين آخذتين بالتوسع
أفغانستان هي بلد قاحلة إلى حدٍ كبير لكنها غنية بالحضارة الإسلامية
خاضت حرباً طويلةً وتبادلت التجارة مع جيرانها المسلمين والآسيوين
لكنها لم تواجه ابداً قوى غير مسلمة كقوة بريطانيا الأجنبية
ومع هذا، كان ينظر إلى أفغانستان في ،ثلاثينيات القرن التاسع عشر، كما هي اليوم
بأنها تشكل تهديداً مباشراً للأمن الوطني البريطاني
المكان الذي دعا ساسة الإمبراطورية وجنرالاتها إلى القلق منه
لمئات من السنين جميع الصراعات حدثت هنا في أوروبا
وانفجرت نحو الشرق على حين غرة
تسابقت روسيا نحو اليابان وأقبلت بريطانيا إلى الهند
وكما توسعت تلك الإمبراطوريتان العظيمتان كانت هذه المنطقة بالمنتصف
وهي تقريباً منطقة خالية على الخارطة تحتوي على عدد قليل جداً من البلدات منطقة ذات جبال وصحارى
وبالرغم من أن هاتين الإمبراطوريتين كانتا بعيدتين عن بعضهما مسافة 400 ميل
كانتا على يقين بأنهما على وشك اللقاء
كانتا في طريقهما للالتقاء هنا في أفغانستان
مع تمدد بريطانيا وروسيا ،والتفافهما حول أفغانستان
وهي إحدى أكثر الممالك ،النائية والفقيرة بالعالم
وجدت نفسها محصورة بين امبراطوريتين تدّعي كلا منهما صداقتها بشكل أو بآخر
خشيت بريطانيا أن تزحف روسيا جنوبا بإتجاه الهند البريطانية المُحتلة
الجوهرة في تاج الإمبراطورية والمركز الثاني للسلطة السياسية البريطانية
لكن هذه الشكوك جرت في الاتجاهين
كان الروس متوترين على حد سواء إزاء تحرك بريطانيا شمالاً من قاعدتها في الهند
وإثر شعورها أن الإمبراطوريتين ،على وشك الاصطدام في أفغانستان
باتت الحكومة البريطانية متعطشة للمعلومات الإستخباراتية حول هذه المنطقة الفارغة
فأرسلت جاسوسا
إلكسندر بيرنز، بإعتقادي هو أحد أبرز الضباط البريطانيين السياسيين على الإطلاق
لا يرتدي هذا الرجل زيًا غريبًا وانما هو متخفي
هو واحد من عشرات الضباط البريطانيين الذين بنوا سمعتهم وقاموا برحلات تكاد تكون إنتحارية
كان بيرنز من اوائل من درس أفغانستان لصالح المخابرات البريطانية
كانت مهمته التجسسية إستثنائية وجريئة
في عام 1831 سافر سراً وهو متخفٍ
وقد عاين الطريق طوال الرحلة من الهند عبر كابول وإلى بخارى
وقدّم أول تقرير مفصل عن السياسة الأفغانية
انطلق دون حماية إلى واحدة من أخطر المناطق المجهولة في آسيا
حيث المكان الذي لاقى فيه أسلافه حتفهم
المكان الخطر المليء بتجار العبيد الذي استلزم عليه عبوره
بينما هو مسيحي يتنقل خلال بعض المناطق التي يغلب عليها النزعة التعصبية للمسلمين
والتي كانت تشتهر بقتل الكفار
محاولا دائما الإعتماد ليس على سيفه كما قال في رسالته لأمه، وإنما على لغاته وجاذبيته وأدبه
إلى جانب الخطر المحدق الذي أقدم عليه بيرنز
،كانت مكافأته مذهلة فعندما أتم رحلته وعاد إلى لندن
والتي استغرقت اثنا عشرَ شهراً إجتازَ خلالها بلداً مجهولاً
أصبح من مشاهير المجتمع
عاد وعمره ثمانٍ وعشرون عاماً وحظيَ بمقابلة الملك
وانضم إلى نادي أثينا الثقافي وأصبح عضواً فيه
وحصل على الميدالية الذهبية من الجمعية الجغرافية الملكية
،وبالنسبة للكتاب الذي قام بيرنز بتأليفه "رحلات إلى بخارى"
فقد أصبح بين ليلة وضحاها أكثر الكتب مبيعاً
ولكن، على الرغم من أنه أعطى بريطانيا نظرة ثاقبة عن هذه الأرض المجهولة إلى حدٍ كبير
وفقاً لرأي المؤرخ ويليام دالريمبل فقد أرعبت زيارته الروس أيضاً
وجاءت بنتائج عكسية غير متوقعة
تواجد العملاء البريطانيون في آسيا الوسطى بفترة طويلة قبل اتخاذ الروس
أي مصالح لهم في مدن كبخارى وخوارزم
وحينما وصل كتاب رحلات بيرنز إلى بخارى
تُرجم إلى اللغة الفرنسية وأصبح يُقرأ على نطاق واسع في موسكو
قدّر الروس بأنه يتوجب عليهم إرسال عميل لهم
ليتأكدوا من عدم وجود مناورات بريطانية وحبك للمؤامرات في ساحتهم الخلفية
بعد فترة وجيزة من إعادة بيرنز إلى كابول في عام 1836
،رصدَ هذا العميل الروسي يان فيتكيفتش
وقد أرعب وصول الروس البريطانيين
إذ أصبحوا بدورهم يشكون كثيرا في طموحات روسيا في تلك البلاد
وأدى هذا الذعر المتبادل لقيام مزيد من العمليات الإستخباراتية الأجنبية عن أفغانستان
عبر ضباط متنافسين مثل فيتكيفتش وبيرنز
بإرسال تقارير لا حصر لها عن نشاطات بعضهم بعضا
"وقد وصف الروس هذا بـ"مسابقة الظِّلال
يتذكرها البريطانيون اليوم والفضل بذلك لكتابات روديارد كيبلينج لاحقاً
"بـ"اللعبة الكبرى
إحدى كتبي المفضلة هي لكيم كيبلينج
والتي تصف اللعبة الكبرى من خلال وجهة نظر هذا الشاب الإنجليزي
والذي يعمل كجاسوسٍ على الحدود الشمالية الغربية
وهو عمل خطر للغاية في حَبْك المؤمرات مع الروس
فهو عميل سري متنكر ولديه الصلاحيات المطلقة من الحكومة البريطانية
لكن بالطبع هذه كانت لعبة من فريقين، وعلى الجانب الآخر
جهة الروس ، فالرجال مثل فيتكيفيتش يسافرون إلى كابول
ليطوروا علاقاتهم مع ملك أفغانستان للعودة بوثائقهم وخرائطهم الخاصة
وهي بداية التقليد الكامل، الذي ما إن يرى البريطانيون رساما روسيا يحضر إلى المدينة
أو صيادا روسيا يظهر على الحدود
فهم يفترضون على الفور بأنها لعبة مزدوجة للتجسس
كانت جميع هذه المخاوف والشكوك للإمبراطورية
تحول أفغانستان إلى ساحة قتال
وفقاً للسفير البريطاني الأسبق في موسكو والمؤرخ السير رودريك بريثويت
كانوا يعتقدون بأن الروس يرسلون عملاءهم إلى كابول وعلينا استباقهم
علينا أن نفعل شيئاً هنا حول هؤلاء الروس الذين يُزعم مجيئهم للحدود
فالروس كان لديهم صورة طبق الأصل منا
فهم يدركون أن عملائنا يتسللون إلى شمال افغانستان
إلى مناطق آسيا الوسطى والتي عدّوها أماكن تهُم مصالحهم
وقد أعربوا عن اعتقادهم بأن هؤلاء الرجال سيستخدمون الدعاية لغرض التأثير
كالدعاية الإسلامية والأسلحة والنقود لإثارة هذه الأماكن ضد الروس
لذا كانوا مذعورين كما كنا نحن
بحلول عام 1839 تزايد هاجس الخوف لدى الحكومة البريطانية بسبب التهديد الروسي
المستشارون الرئيسيون هم رجال لم تطأ اقدامهم أرض أفغانستان يوماً
بدأوا الإدعاء بأن روسيا قد تستخدم أفغانستان كنقطة عبور لغزو الهند البريطانية
الرجل البريطاني المتواجد على أرض أفغانستان الكسندر بيرنز
اعتقد أن أفغانستان يجب أن تترك وحدها تماماً
لكن مجموعة صغيرة من صناع القرار في حكومة الهند كان لديهم افكاراً مغايرة تماماً
تجاهلوا أراء بيرنز كلياً
حسب اعتقادهم، كانت أفغانستان منطقة خالية ودولة فاشلة ستتحرك تجاهها روسيا
قرر الصقور بأن الجواب كان تغيير النظام
لإسقاط ملك أفغانستان الدوست محمد واستبداله برجل تابع لهم
شعرت الإستخبارات البريطانية بأن لديهم المرشح المثالي
شاه شجاع، الرجل الذي كان يعيش في الهند البريطانية لمدة ثلاثين عاماً
وهو رجل متحضر ولبق وأنيق
والذي يمكن لبريطانيا الإعتماد عليه لتنفيذ أوامرها
وحتى يبرروا موقفهم نشروا وثيقة
،مدعيين فيها أن الملك محمد دوست الذي كان يحاول أن ينأى بنفسه
عن كل من روسيا وبريطانيا، ما هو إلا غير موال للبريطانيين
ويمثل تهديداً وشيكاً وعاجلاً للإمبراطورية البريطانية
الدوافع مختلطة جداً دائماً
،فيشوبها الغريزة الإمبريالية العدوانية والتوسعية وأيضا ذلك الإحساس بالذعر من الاصطدام بطريق مسدود
أو قد يأتي أحد ما ويستولي على كل ذلك منك
ومشكلة التدخل العسكري هي أنك قد تستطيع أو لا تستطيع أن تحدد الهدف الصحيح
لكنك ستميل أكثر لإستخدام وسائل خاطئة للتعامل معه
لذا هل كان الصقور على صواب من التخوف من روسيا؟
هنا في موسكو جئت لمقابلة المؤرخة التاريخية البارزة عن تلك الفترة
البرفيسورة تاتيانا زاجارودنيكوفا
أردت سؤالها إذا ما كانت روسيا تحضر فعلاً لغزو
أفغانستان لتكون بمثابة جسر لمهاجمة الهند
كان تلك حقبة استعمار الدول الصغيرة والضعيفة وهي عملية شملت انحاء العالم
وليس في بريطانيا العظمى وروسيا فحسب
والوضع ذاته في فرنسا
وفي الدول العظمى الأخرى
نظرت بريطانيا العظمى آنذاك لأية خطوة تقوم بها روسيا سواء في اوروبا أو في آسيا
،وربما حتى في افريقيا على أنها تحرك روسي نحو الهند
كل تحرك كان يعد زحفاً روسياً نحو الهند
هل كان البريطانيون مذعورين؟
كان ذلك مجرد لعبة من وجهة نظري
كنوع من إظهار القوة أمام الجماهير والرأي العام
ومن ناحية اخرى كانت حجة رائعة
في البرلمان للمطالبة بمزيد من الدعم المالي لأغراض عسكرية
للحفاظ على بقاء الجيوش الكبيرة في الهند، وما شابه ذلك
كان هاجس الصقور أن يستولي رجلهم على العرش
لكن اعتقادهم بالتهديد الروسي كان اعتقادًا أكثر منه واقعاً
وقد مُزِقَ الملف تمزيقًا في الصحافة البريطانية ؟
هاجم الجميع، كالدوق ولينغتون، الفكرة بغضب شديد
لكن بدلاً من الغاء المهمة واصل هؤلاء الرجال المضي بالفكرة
وفي غضون أسابيع قليلة كان جيش السِند يزحف نحو أفغانستان
وكما نعرف في وقتنا الحالي اذا قمت بخلق التوهم
شخصية مرعبة من خيالك
هذه الشخصية يمكنها أن تصبح حقيقة
No comments yet. Be the first to leave one.