نخستین 174 خط.
ستسافرون خلال بُعد آخر
بُعدٌ لا يقتصر على السمع والبصر، بل هو بُعدٌ عقلي أيضًا
رحلة إلى أرض عجيبة حدودها حدود الخيال.
اللافتة أمامكم. لافتة محطتكم القادمة، "منطقة الشفق".
الممرضة؟
حان وقت المنوم يا عزيزتي.
هل حل الليل بالفعل؟
إنها التاسعة والنصف.
ماذا عن النهار؟
ماذا عنه؟
أكان نهارًا جميلًا؟ أكان دافئًا؟
- أكانت الشمس ساطعة؟ - كان دافئًا نوعًا ما.
ماذا عن السُحب؟ أكانت في السماء سُحب؟
أظن ذلك.
لست من محبي مطالعة السماء.
حقًا؟
كنت أحب النظر إلى السحب.
إن أطال المرء النظر فيها وقتًا كافيًا، تتجسد.
في هيئة أناس، سفن، وأيّما تريدين.
حان وقت قياس حرارتك.
- شيء آخر من فضلك أيتها الممرضة. - نعم؟
متى سيزيلون الضمادات؟
إلى متى أيتها الممرضة؟
حتى يقرروا إن كان باستطاعتهم إصلاح وجهك.
أهو بهذا السوء؟
لقد رأيت أسوأ.
نعم، ولكنه سيئ جدًا، صحيح؟
أعرف أنه سيئ جدًا.
منذ أن وعيت الحياة، منذ كنت طفلة صغيرة
أدار الناس وجوههم عني حالما نظروا إليّ.
شيء غريب...
أول ذكرى لي
هي طفلة أخرى تصرخ حين نظرت إليّ.
لم أرد أن أكون جميلة قطّ.
لم أرد أن أبدو كلوحة فنية قطّ.
لم أرد أن أكون محبوبة كذلك.
أردت فحسب ألّا يصرخ الناس حين ينظرون إليّ.
متى أيتها الممرضة؟ متى؟ متى سيزيلون الضمادات؟
ربما غدًا.
أو بعد غد.
الآن اهدئي.
تنتظرين منذ مدة كبيرة.
لا يشكل فارقًا إن كان الأمر بعد أسبوعين أم بعد أيام.
أليس كذلك؟
الطبيب "برناردي"، التقرير المسائي للمريضة 307:
لا اختلاف في درجة الحرارة، وتستريح بلا ألم.
شكرًا أيتها الممرضة، سأمر لاحقًا.
أرأيت وجهها قطّ؟ المريضة 307؟
بكل تأكيد.
لو كان هذا وجهي، لدسستُ نفسي بالتراب.
المسكينة.
بعض الناس يتشبثون بالحياة رغم أي شيء.
سيجارة؟
في أثناء توقف الزمان والمكان للحظة،
تتعرفون على الآنسة "جانيت تايلر" والتي تعيش في عالم معزول من الظلمة،
كونٌ أبعاده بطول وعرض وسمك الضمادات التي تغطي وجهها.
بعد لحظة سنعود إلى تلك الغرفة.
وكذلك بعد لحظة، سننظر إلى ما تحت تلك الضمادات
واضعين في اعتبارنا ألّا نتفاجأ مما سنراه.
فهذا ليس مستشفى عاديًا، والمريضة 307 ليست امرأة عادية.
فهذه هي منطقة الشفق.
والآنسة "جانيت تايلر"، برفقتكم، على وشك أن تدخلها.
ضغط الدم ودرجة الحرارة طبيعيان أيها الطبيب. لا يوجد تغيّر.
حسنًا، عودي الساعة الحادية عشرة. أعطيها المهدئ المعتاد.
حسنًا أيها الطبيب.
الجو دافئ هذا المساء يا آنسة "تايلر".
ظننت هذا، لكن ليس بوسعي التأكد.
الجو دافئ جدًا. صدقيني.
سنزيل هذه الضمادات عنك قريبًا جدًا. أتوقع أنك تشعرين بالضيق.
اعتدت وجود الضمادات على وجهي.
متأكد من هذا.
هذه المرة التاسعة لك هنا. أهذه المرة التاسعة؟
الحادية عشرة.
أحيانًا...
أرى أني قضيت كل حياتي داخل كهف مظلم
حوائطه من الشاش، والرياح التي تهب بالكهف،
تفيض برائحة المطهر والكحول.
طبعًا، توجد راحة
في العيش داخل هذا الكهف.
مكان عالي الخصوصية. لا أحد يمكنه أن يراني.
لا يوجد أمل، أليس كذلك أيها الطبيب؟ لن يتغير شكلي عما هو عليه.
يصعب الجزم.
حتى الآن، لم تستجيبي إلى الحقن والأدوية
وأي من التقنيات المثبت فاعليتها.
لقد حيّرتِنا يا آنسة "تايلر".
لا شيء فعلناه حتى الآن صنع فارقًا.
مع ذلك، لدينا أمل كبير فيما قد يحققه هذا العلاج الأخير.
لكن لا يمكن الجزم حتى إزالة الضمادات.
أنا آسفٌ أن حالتك لا يمكن علاجها بعملية تجميل.
تركيبة عظامك، ونوعية اللحم...
عوامل عدة تمنعنا من إجراء جراحة.
زيارتك الحادية عشرة.
هذه آخر مرة أيها الطبيب. لا محاولات أخرى.
أحد عشر هو الرقم الإلزامي للتجارب.
غير مسموح لنا بإجراء المزيد.
وماذا بعد أيها الطبيب؟
أنت تستبقين الأحداث يا آنسة "تايلر".
ربما استجبت لآخر حُقن. لا يمكننا المعرفة حتى نزيل الضمادات.
- وإن لم أستجب، ماذا سيحدث؟ - حسنًا، توجد بدائل.
مثل؟
ألا تعرفين؟
نعم، أعرف.
تدركين يا آنسة "تايلر" سبب وجود هذه القوانين.
يُمنح كل واحد مِنا فرصًا قدر المستطاع كي يندمج وسط المجتمع.
في حالتك، تأمّلي في الوقت والمال والجهد الممنوحين لك كي تبدي...
أبدو ماذا أيها الطبيب؟
طبيعية. كما تحبين أن تبدي.
أيها الطبيب...
أيها الطبيب...
أيمكنني السير بالخارج؟
رجاءً؟
أيمكنني الجلوس بالحديقة؟
لبعض الوقت وحسب.
كي أشعر بالهواء.
وأشم الزهور.
كي أتظاهر أني طبيعية؟
إن جلست بالخارج في الظلام، فالعالم بأكمله مظلم،
وأصبحُ جزءًا منه، ولا أكون...
امرأة بشعة قبيحة مغطاة بالضمادات
ويحفّها نوع خاص من الظلام.
أريد أن أشعر بالانتماء.
أريد أن أكون كالجميع.
أرجوك أيها الطبيب.
أرجوك ساعدني.
يوجد كثيرون يشاركونك نفس محنتك.
أناس يشبهونك.
أحد البدائل...
في حال عدم نجاح العلاج الأخير.
هو ببساطة أن تنتقلي إلى منطقة خاصة...
فيها جُمع أمثالك.
أمثالي؟
جُمعوا؟
تقصد فُصلوا عن المجتمع!
تقصد سُجنوا، أليس كذلك أيها الطبيب؟
تقصد حيًا لفصل الأقلية، صحيح؟ حيًا مخصصًا للمسوخ!
آنسة "تايلر"!
الدولة ليست عديمة التعاطف.
وجودك بهذا المستشفى دليل على هذا. تفعل كل ما بوسعها من أجلك.
لكنك لا تفكرين بعقلانية يا آنسة "تايلر".
تعلمين أنه لا يمكنك التطلع إلى عيش أي حياة بين... أناس طبيعيين.
يمكنني المحاولة.
سأرتدي قناعًا أو أرتدي هذه الضمادات أو...
لن أزعج أحدًا. لن أتدخل في شؤون غيري.
سأحصل على وظيفة. أي وظيفة!
من أنتم أصلًا؟ أي دولة هذه؟
من يضع هذه القواعد والشروط والتشريعات
التي تنص على عزل المختلفين عن الطبيعيين.
- ليست الدولة بإله أيها الطبيب. - آنسة "تايلر"، أرجوك.
ليست الدولة بإله!
ليس لها حق في أن تعاقب أحدًا على عيب خلقي!
- ليس لها الحق في تجريم القبح! - آنسة "تايلر"، امتنعي عن هذا في الحال.
أشعر بالليل بالخارج. أشعر بالهواء.
أستطيع شم الورود.
أرجوك.
أرجوك انزع هذه عني، أرجوك.
انزعها عني رجاءً.
انزعها عني رجاءً.
انزعها عني!
النجدة، انجدوني!
انجدوني!
لا، لا.
اتركوني. اتركوني أرجوكم.
أرجوكم اتركوني. ارجوكم.
اتركوني أرجوكم.
أرجوكم، اتركوني أرجوكم.
حسنًا سأنزع الضمادات.
أحضري طبيب التخدير.
حاضر.
تبدو منهكًا أيها الطبيب.
حقًا؟ لم أفكر في هذا. أفترض أني منهك.
لقد كنت تحت ضغط هائل.
أعرف أنها تعني لك الكثير، هذه الحالة بالغرفة 307.
يحاول المرء ألا يشخصن هذه الأمور.
وأن يفعل كل ما يمكن فعله طبيًا. وكل شيء إنساني ممكن.
No comments yet. Be the first to leave one.