نخستین 200 خط.
،في منصة السكك الحديدية الهادئة هذه انتهت رحلة استثنائية
"تقع على مبعدة ثلاث مئة ميل جنوب "موسكو
"في محطة طالما عُرفت باسم "أستابوفو
حتى نزل القطار هنا، كاتب مسنّ يشعر بالإعياء
،و بعد إسبوع
و بحلول وقت وفاة الكاتب في ،منزل رئيس المحطة
أصبح هذا المكان البعيد في روسيا مشهداً
لعشيّةٍ استثنائية، حضرتها الصحافة العالمية
و الحشود الضخمة من المعجبين
،اندلعت المظاهرات الجماهيرية والإضرابات في أنحاء الدولة
و حتى أحاديث عن الثورة
،من هو هذا الكاتب الذي استطاع إثارة ذلك الكم من الانفعال
و ذلك الكم من القلاقل؟
،و بعد ذلك بوقت قصير (أُعيد تسمية المحطة و القرية باسم (ليف تولستوي
.
"الجزء الأول : في صراع مع نفسه"
،هذا هو (تولستوي) في عام 1908م ،قبل عامين من وفاته
،متجمهراً حوله الحشود المُعجبة "في طريقه إلى محطة القطار في "موسكو
كان (تولستوي) حينها الروسي الأشهر في نهايات القرن التاسع عشر
،قمّة، بنية جسديّة موسويّة
و الذي جاءت شعبيته الجارفة بدايةً ،من روايتيه العظيمتين
"الحرب و السلم" و "آنّا كارينينا"
!في عالم الأدب، يُعد (تولستوي) إلهاً
إلا أن (تولستوي) كان واحداً ،من أكثر المفكرين والأخلاقيين تحدياً في عصره
و ناقدٌ شرس، للطريقة التي تُدار فيها الدولة
لقد كان مثيراً للمشاكل ببراعة
،كان (تولستوي) الرجل الذي أقلق روسيا، و ضمائر القياصرة
و أقلق ضمير الطبقة الحاكمة
،و بعد مرور مئة عام
في الذكرى المئوية ،من وفاة (تولستوي) العام الماضي
،حدثٌ يُحتفل به في أنحاء العالم
،بدى أن الحكومة الروسية تتعمد تجاهل كاتباً
لا يزال يُرى -دون ارتياح- على أنه مناهض للمؤوسساتية
إذن، ما الذي يجعل (ليف تولستوي) بطلاً صعب المراس؟
أتيتُ إلى روسيا، كي أستوضح ذلك
،ليس صعباً أن تتخيل نفسك في قصةٍ ما لـ (تولستوي)
جالساً في عربة قطار كهذه، عابراً الأرياف الروسية
تشغل سكك القطار الكثير من صفحات رواياته
الارتحالات مفرطة الحزن، و اللقاءات غير المتوقعة
و المأساة القاتمة
،و موقع لحكاية القصص المعقدة و العميقة
إلا أنها بالغة الأثر أخلاقياً في نهاية المطاف
"من رواية "البعـث
كانت عربة الدرجة الثالثة الملأى بالمسافرين’’ عرضة للشمس منذ الصباح
،و كان الحر لا يُطاق بالداخل حتى أن (نيكليودوف) اضطر للبقاء في الموقف الخارجي
،و من بين الانطباعات التي ساورته ذلك الصباح
.انطباعٌ واحد كان يلاحقه و يتذكره بدقة و شدّة خارقتين للعادة
ذلك الوجه الجميل للسجين الثاني الميّت
،بشفتيه الباسمتين
،و جبهته الصارمة
.و أذنه الصغيرة المغبونة بنحافة، بجانب الرأس الحليق
،لكن الأمر الفظيع، أن جريمة قتل قد حصلت
.دون أن يعلم أحدٌ من فعلها
‘‘.إلا أنها كانت جريمة قتل
من هو القاتل؟ لم الذهاب إلى الحرب؟
ما العائد من الزواج؟
ما الهدف من الحياة؟
كاتب يسأل باستمرار نفسه و القرّاء، أسئلة عسرة
في النهاية، لم تكن أفكاره ،أفكار كاتب مشهور
بل أفكار (ليف تولستوي) الإنسان
إنسان لم يكن راضياً عن نفسه قط
لقد كان غير راضياً حياته كلها
و أراد دائماً أن يكون أفضل، و أفضل
تقع إقطاعية عائلة (تولستوي) ،على بعد مئة و عشرون ميلاً جنوب موسكو
و كان (تولستوي) ليقطع هذه الرحلة مرات عدة
فقد كانت العائلة تعني كل شيء له
،أتى (تولستوي) من عائلة كبيرة و أنجب عائلة كبيرة
،و بعد مئة عام على وفاته
أتى أحفاده و أحفاد أحفاده من أصقاع العالم
إلى "ياسنايا بوليانا"، إقطاعية أسلاف (تولستوي) مرحبٌ بهم على البوابات
على الطريقة الروسية التقليدية، بالخبز و الملح
في الصباح، مشهد تماوج الضوء و ظلّ أشجار البتولا الكبيرة’’
،على طوال الطريق المشجّر، باقٍ كما كان قبل ستين عاما
‘‘.عندما لاحظتُ هذا الجمال للمرة الأولى و أحببته
"ياسنايا بوليانا"
.. حب (تولستوي)
،لـ "ياسنايا بوليانا" ، و للبحيرة حيث كان يسبح
،و للبساتين التي زرعها
،و للأناس الذين عملوا على أرضه
قد حافظ على المشهد الروسي الخلّاب كما كان في عصره تقريبا
،هذا المكان، و تحديداً هذا البيت
،لم يحتفظ فقط بكثير من تفاصيل حياة (تولستوي)
بل يعيد إلى الأذهان كثيراً من مشاهد رواياته
"من رواية "الطفولـة
.كانت ماما جالسةً في الصالون تسكب الشاي’’
،فبإحدى اليدين تمسك الغلاية
،و بالبيد الأخرى تمسك حنفية السماور
.و الذي كان ماؤه يطفح من إبريق الشاي و يسيل على الصينية
،و لكن أمي رغم أنها تنظر بانتباه إليه
.لم ترَ ما يحدث، ولم تلاحظ دخولنا
تنبثق ذكريات كثيرة حين نحاول أن نحيي في خيالنا
،ملامح انسان حبيب إلى قلوبنا تبلغ أن نرى تلك الملامح
.خلال الذكريات بشكل خافت
.كأننا نراها من خلال الدموع
‘‘هذه دموع الخيال
،كان حريٌ بطفولة (تولستوي) أن تكون مثالية
إلا أنها وُصمت بمأسآة عائلية
لقد كان طفلاً صغيراً عندما توفيت أمه
أعني، أنه كان ذو السنتان
لابد أن هذا كان له التأثير الشديد عليه لاحقا
بالتأكيد، لقد كان طفلاً صغيراً ليحمل أي ذكرى لها
،ما عدى صورتها الروحية
،صورتها الروحية فقط
و التي أثرت على (تولستوي) طوال حياته
،أن تخسر والدتك، أن لا تعرفها
،أن لا تكون قادراً على تصوّر وجهها
لابد أن هذه خسارة فادحة لأي شخص. ،ثم تخسر والدك
،بعد أن بلغ التاسعة فقط .. أعني
،لابد أنه كان محروماً بالفعل
،لابد أنه كان يحمل شخصية قوية ليقدر على التعامل مع ذلك
،أجل، بالطبع (تولستوي) ،بالإضافة إلى أشقاءه و شقيقته
.من جهة، كان حزينا
كان حزيناً بفقدانه والديه
"لكن في الجهة المقابلة، كانت لديه عزيزته "ياسنايا بوليانا
بشكل ما، كانت "ياسنايا بوليانا" البديل لغياب والديه
كانت "ياسنايا بوليانا" مهد (تولستوي) و لحده
ظلّت "ياسنايا بوليانا" محل جذب له
سحرٌ يشدّه إليه
بسبب ارتباط أشد ذكريات طفولته المبكرة أهمية بذلك المكان
أتذكر والدي في غرفة مكتبه، حيث كنا نأتي لنتمنّى له ليلة سعيدة’’ "من "مذكرات (تولستوي)
.أو حيث نأتي أحياناً لمجرد اللعب
.اعتاد الجلوس هناك على أريكة جلدية، و الغليون في فمه
،أحياناً، و لكي يبهجنا كثيراً
،فإنه يسمح لنا بتسلّق الأريكة خلف ظهره
‘‘.بينما يواصل القراءة أو الحديث إلى الخادم
ربما لم يحظَ (تولستوي) بهذه الطفولة
هذه الطفولة التي قد كان يريد أن يراها
هذه كيفما تخيّلها
هكذا تخيّل كيف تكون حياة العائلة المُحبّة
،و أصبح الحب سبباً لوجوده الكليّ
بالإضافة لكونه ركيزة آراءه الدينية
،"عندما كانوا أطفالاً في "ياسنايا بوليانا
أطلق أبناء (تولستوي) على أنفسهم "أخوّة النّمل"
جوهر ما كانت تعنيه "ياسنايا بوليانا" لـ (تولستوي)
تجلّى بسبب قصة خيالية، اختلقها أخاه الأكبر لأخوته
كان (ليو تولستوي) في الخامسة بينما كان (نيقولاي) في الحادية عشرة
،و أعلن (نيقولاي) أنه يعلم سرّ كيفية اسعاد الناس
،و أن ذلك السرّ البديع منقوشاً على عصا خضراء
،و أن تلكم العصا الخضراء
،مطمورة على حافة الوادي بجانب الطريق
،و أن ذلك الشخص الذي يجد العصا الخضراء سيعمرُ السعادة في قلوب الناس
"أشبه بعصرٍ ذهبي، يصبح فيه الناس "أخوة النمل
،يعيش الناس فيه بلا حروب ولا أمراض
في سلامٍ و حب مسيحي و صداقة
..و لكن مات (نيقولاي)
و مات معه سرّ كيفية اسعاد الناس
،إلا أنه في السنوات التي تلت أضحت تلك الأسطورة الطفولية الساذجة
رمزاً فلسفياً عميقا لـ (تولستوي)
جلبت وفاة والده نهاية طفولة (تولستوي) الريفية
و قُرّر أنه يتعيّن عليه و شقيقاه مغادرة
"ياسنايا بوليانا" و العيش مع عمّة في "قازان"
"قازان" عاصمة التتار القديمة، تبعد خمسمئة ميلاً شرق "موسكو"
حافظت المدينة منذ القرن الثامن عشر على سمعة مثيرة للإعجاب
كمكان يعيش فيه المسلمون و المسيحيون بسلام ، جنباً إلى جنب
"كانت (بولينا) عمّة (تولستوي) زوجة حاكم "قازان
و انتقل آل تولستوي الشبّان إلى ما كان حينها
القصر الحكومي الكبير
حسناً، أعتقد أنه ليس من المفاجئ أنه بسبب ثورة، و حربين عالميتين
لم يعد مركزاً لمجتمع راقي، كما كان
مرحبا؟
مرحبا؟
تجري الآن إعادة ترميم القصر
للاحتفاء بسنين مراهقة (تولستوي) في المدينة
إلا أنه ليس كل شيء حدث لـ (تولستوي) في "قازان" جدير بالاحتفاء
،بعد فترة قصيرة من وصول (تولستوي) للمدينة
قرّر الأخوان الكبيران بأن (ليف) ذو الأربعة عشر عاماً أصبح على استعداد لتجربة الجنس
لذلك أخذاه إلى بيت دعارة، و الذي صادف أن مكانه
بجوار الدير مباشرة، حيث دُفن جدّهم
كانت حادثة فعلين متزامنين، ممارسة جنسية و تدنيسٌ للمقدسات
و التي يبدو أنها أقضّت مضجعه حتى آخر حياته
بعد عدة سنوات، سيتذكر (تولستوي) الحادثة
واصفاً مرارة نحيبه بجانب السرير، بعد قضاءه من فعلته
.. الفكرة هي أنه داخل هذه الحلقة بالفعل
يخوض في حلقة مفرّغة طيلة حياته
بالعيش على نحو سيء بالفعل
ثم الندم على ذلك، و تأنيب نفسه
جاءت نقطة التحوّل عندما كان ،في الرابعة عشر أو الخامسة عشر
،لأنه و بلا سابق بيان، قرأ لـ (روسو)
،و عندما قرأ لـ (روسو)
وجد تأكيداً على مدى ما كانت نفسه عليه من سوء
إلا أن ارتياحه الأكبر كان في معرفته أن جميع الفتيان الآخرين
،قد فعلوا أشياء مثيرة للاشمئزاز
.. بأن الأطفال الآخرين - فظاظ؟ -
.صغار فظاظ ولابد أن ذلك أعطاه شعوراً بالراحة
"!حمداً للرب، لستُ أنا لوحدي"
،بعد عامين من وصوله للمدينة
،التحق (تولستوي) بالدراسة هنا في جامعة "قازان" المرموقة
،و منذ دخلت مدرَّج الجامعة’’ "من رواية "الشباب
شعرت بزوال شخصيتي
،وسط هذا الجمهور من الشباب الواثق بنفسه و الذي يتموّج مزدحماً عبر جميع الأبواب و الدهاليز
،اضطرب الجميع ثم استقروا في مقاعدهم حينما دخل الأستاذ
كنتُ مدهوشاً عندما بدأ محاضرته
.بجملة تمهيدية، بدت لي غير ذات معنى
أردتُ المحاضرة أن تبلغ من الحذق، من أولها لآخرها
.لدرجة أن يستحيل إضافة أو حذف كلمة منها
و محبطاً من هذا، شرعتُ مباشرة في رسم ثمانية عشرة كاريكاتيرا
،ينضمّ بعضها إلى بعض في دائرة، مشكلّةً إكليلاً
و أحرّك يدي على الورقة أحياناً
‘‘لأجعل الأستاذ يعتقد بأنني أدوّن ملاحظات
،إلا أن الأمور بدت و كأنها من سيء إلى أسوء
No comments yet. Be the first to leave one.