نخستین 200 خط.
في قصتنا للحضارة حتى الآن
صادفنا الكثير ممن اعتدنا أن نسميهم رجال التاريخ العظام
الملوك الكهنة لبلاد ما بين النهرين الفراعنة المصريين
الفاتحون الأشوريون ملوك الفرس العظام
رجال الدولة المحاربين من الإغريق
شخصيات آمرة , كانت فيما يبدو قادرةً على امتطاء صهوة حصان التاريخ الجامح
بدون أن يسقطوا
حسناً , لا أحد منهم قارب فروسية هذا الرجل
الاسكندر المقدوني
المعروف ببساطة بالأكبر
في القرن الرابع قبل الميلاد
من مملكة مقدونيا الصغيرة على أطراف العالم المتحضر
هذا الملك المحارب الكارزمي الشخصية صاغ امبراطورية
امتدت على طول الطريق للهند في بضع سنين
لكن في رهانات الحضارة ماذا ساوى كل ذلك؟
من الصعب ألا ننجر إلى تيار
هذا الكاريزمي نصف الإله
عندما شق طريقه عنوةً عبر آسيا في عوالم الخرافات والأساطير
لكني سأقاوم
لأن الرحلة التي قام بها الاسكندر كانت فريدةً كالرجل نفسه
سعي شخصي دؤوب لا يهدأ
لإيجاد نوع من الحدود القصوى ليُعرِّف نفسه لنفسه
أرضٌ غنية , ربما , لعالم نفسي
لكن من منظورٍ تاريخي
كان مجرد حدث عابر خيالي وعقيم في الجوهر
لكن ومن سخرية الأقدار هي أن عظمة الاسكندر
ستصبح ظاهرةً فقط بعد موته
عندما ناضل خلفاؤه لصنع شيء متماسك
من إرثه الفوضوي
وخلال فعلهم ذلك
سيبرهنون على أنه حتى أعظم الرجال العظماء
هو أقل أهميةً من الفكرة الأعظم
فكرة الحضارة نفسها
عوالم قديمة
عوالم قديمة يقدمها ريتشارد ميليس
عودة الملك
تبدأ قصتنا مع حضارة في أزمة
حضارة المدينة
هذه الوحدات السياسية الصغيرة النَكِدة
حاولت أن تبني مجتمعات مستقرة قوية ومكتفية ذاتياً
باستعمال باقة متنوعة من النظم السياسية
من الديموقراطية الأثينية للشمولية الاسبرطية
لكنها أخفقت جميعاً
كانت الدولة-المدينة أرض الاختبار للكثير من التقدمات البارزة
في الأدب , الفن العلم والفلسفة
لكن هدف النظام الجيد تملص منهم
فُقد في دورة الحرب المرهقة بين المدن
والحرب الأهلية فيها
بحلول القرن الرابع قبل الميلاد
كان من الظاهر أن , كما تكرر كثيراً بالماضي '
الطاقات الديناميكية والفوضوية التي تطلق عنانها مدينة كبيرة
يمكن أن تروض ويتحكم بها فقط عن طريق حكم استبدادي من رجل عظيم
من السهل النظر للحضارة على أنها تقدم جاري بشكل ثابت
لكنها في الحقيقة مليئة بالمنعطفات والأزقة المسدودة والجادات الميتة قف
وغالباً ما تلت فترات من الضحالة بشكلٍ قاسٍ
فترات من الألمعية والعبقرية
وذلك بالضبط ما حدث للإغريق
بعد الأيام السعيدة الخوالي للقرن الخامس قبل الميلاد
الإغريق ورغم عبقريتهم
قد برهنوا بأنفسهم أنهم هم أنفسهم كانوا غير مستعدين
لتصدير نتاج عظمتهم
إن أخدت المملكة الهمجية إلى الشمال
على الأطراف القصية للعالم الإغريقي
كانت ستحول الإغريقانية إلى منتج عالمي
تلك الأرض كانت مقدونيا
على الحدود الشمالية للبر الرئيسي لليونان
كان هذا عالم ملوك جبليين
الذين لن يكونوا في غير محلهم في واحدة من حكايا هوميروس الأسطورية
بينما تجادلت الدول-المدينية الإغريقية بالجنوب لقرون
حول المزايا النسبية للديموقراطية الأوليغارشية والاستبدادية
تعلق المقدونيين بمناقب القنص الخالدة
وركوب الخيل والقتال
بالنسبة لهم , السياسة كانت ببساطة مسألة
إتباع وبإخلاص لمن كان بارعاً في الثلاثة
كانت هذه ثقافة الرجل المهم بأجلى صورها
لم تكن حضارة سياسيين وخطباء
بل الأوتوقراطيين عديمي الرحمة
المصلحية القبلية والولاء العرقي
كانت مقدونيا بلداً لعشائر قوية حكمها عاهل فرد
والذي تفوقت مهارته العسكرية على كل شي آخر
الصعود المقدوني المثير للدوار من أطراف العالم الإغريقي
إلى قوة عظمى إغريقية كان عمل رجلين
الملك فيليب الثاني وابنه الاسكندر
المقدر له بأن يكون أشهر رجل بالعالم القديم
كانت أسطورته على وشك أن تفوز بسلاح جديد في تكنولوجيا الحرب
لدي بيسراى ما يمثل نقطة تفوق الجيش المقدوني
الساريسا , رمح ضخم أكثر من 5 أمتار طولاً
لو قارنته بالرمح العادي
والذي بالكاد يزيد عن طولي قليلاً طوله متران
بوسعك أن ترى أي وحش كان
تضمنت حروب المشاة سابقاً الكثير من التدافع بالأيدي والمناكب
ويبدأ القتل الفعلي فقط عندما يقع الناس أرضاً
حيث يستطيع العدو قتلهم
لذا كان الساريسا وسيلةً لمنع الناس
من أن يجدوا أنفسهم بمنطقة القتل
مع وجود الساريسا بارزة أمام كتيبتهم كان بوسعهم التقدم
وكانت ستبدو مثل أشواك قنفذ عملاق
وكان ذلك كافياً لإبقاء الأعداء على مبعدة
بكتائبه المنيعة
وسع فيليب مملكته الشمالية إلى إمبراطورية
ثم استعمل الترغيب والتهديد ليضم الدول-المدينية الجنوبية المترددة
إلى حلف ضد العدو القديم للإغريق الفرس
رابطة كورينث كما كانت تسمى
كانت تحالفاً لغير الراغبين
وبالتحديد في أثينا الديموقراطية والتي احتقرت استبدادية فيليب الفجة
الخطيب ديموسثنيز
في سلسلة من الخطابات النارية المعروفة بالخطب الفيليبية
كال وقذف أقذع الشتائم التي استطاع العثور عليها
ضد من سيكون قائداً لحملة صليبية ضد الفرس
هذا لم يكن إغريقياً البتة إنه بربري من الشمال
لكن بقولبة فيليب على أنه همجي شمالي
كان ديموسثنيز يفتقد الحقيقة وربما بتعمد كبير
فمقدونيا كانت جزء من اليونان
صحيح أنها ليست من يونان أثينا أو اسبرطة
لكن من يونان أقدم التي ما زالت موجودة بأطرافها الشمالية
كان المقدونيون بالتأكيد أكثر تآلفاً
مع الإغريقانية والشيء الإغريقي
كنز من ضريح فيليب
يبين مستوى إتقان الصنعة الرقي والغنى
بنفس مستوى أي شيء آخر
أنتجته ورش أثينا الكبرى
لأنها كانت ضيقة الأفق ومنهمكة كلياً بشئونها الذاتية
فالدول-المدينية الإغريقية لم تملك أي فكرة حول كيفية أخد مبدأ توحيد الإغريق قُدُماً
فيليب , على الطرف الآخر
غير مقيد بضيق أفق مدينة ولا بقبضتها الخانقة عليه
استطاع أن يرى الإغريقانية تماماً كما كانت
بنقاط ضعفها وإمكانياتها
ضعف الشيء الإغريقي
يكمن في عدم القدرة على التوحد سياسياً
لكن شدته تكمن في العداء المتأصل
للفرس البرابرة إلى الشرق
لو استطاع أحدما أن يؤطر ويتحكم بهذه الكراهية للآخرين
لكان لها ربما نفس تأثير الساريسا في ساحة المعركة
لم يعش فيليب ليقود رفاقه الإغريق ضد الفرس
فقد تم اغتياله في حفل زفاف ابنته
في المسرح المجاور للقصر الملكي في سنة 336 قبل الميلاد
لكن وبالطبع , كان لفيليب وريث ابنه الاسكندر
كان بعمر العشرين فقط لما مات أبوه لكنه كان أكثر من خبير
في قوة وضعف الإغريقانية
فمعلمه كان أرسطو
أعظم منظر سياسي في العالم الناطق بالإغريقية
كان أرسطو عرضةً لانتقادات دنيئة من أعداءه عندما انتقل شمالاً ليؤسس مدرسة
تشغل كهف الفيلسوف الأصلي
ليعلم الاسكندر ورفاقه
لكن أرسطو عرف سياسته
وعرف أين كانت تكمن القوة الحقيقية حينها
أنفق فيليب بسخاء على تعليم ابنه
كان معلمه أرسطو النجم الثقافي المسلم به ليومه
مداه كان واسعاً
فقد علم الاسكندر ورفاقه الفلسفة , السياسة , التاريخ , العلوم
العلوم الطبيعية , الطب والفلك ضمن مواد أخرى
الشيء الذي لم يأتي معه
كان أي فسحة أو التزام للتكلم حول النظم السياسية
التي أنتجت تلك التطورات العظيمة وتحديداً الديموقراطية
كان بوسع الاسكندر أن يخطب الخطاب , يسير المسيرة
لكن الشيء الإغريقي الخاص به كان مختلفاً جداً
أما قدر اختلافه فهو أمرٌ اكتشفه الإغريق
عندما ثارت مدينة طيبة في سنة 335 قبل الميلاد
سلب الاسكندر ونهب المدينة
أسر واستعبد 30,000 من مواطنيها
وسواها بالأرض
الدرس رقم واحد في مدرسة الاسكندر لتوحيد الإغريق
كان "لا تعبث مع الرجل الكبير"
الآن كان الإغريق متحدين تحت راية هيلينستية جامعة
سواء أحبوا ذلك أو كرهوا
يستطيع الاسكندر الآن أن يولي اهتمامه للفرس
لكن طموحاته ذهبت بعيداً جداً إلى ما وراء مجرد الانتقام من الفرس لغزوهم اليونان
كان سيشرع في سلسلة استثنائية من فتوحات
لم يعرفها العالم القديم من قبل
في خلال 10 سنوات ستتمدد امبراطوريته من اليونان غرباً
إلى أفغانستان شرقاً
كان هذا فتحاً بالحرب الخاطفة
ربما حلم أرسطو
بأنه كان يعد ويدرب ملكاً فيلسوفاً متنوراً
لكن الاسكندر كشف سريعاً
عن روح مغامر حالم متقلب وكاريزمي
الإرث الأكثر خلوداً لمرحلة تعليم أرسطو للاسكندر
سيكون نسخة مشروحة لإلياذة هوميروس
كانت للاسكندر ككتيب إرشاد, دليل عسكري وكتاب مقدس شخصي
لما عبر الدردنيل من أوروبا لآسيا
لعب دور بطل هوميروسي
عائد لطروادة متأخراً بخمسة قرون
عندما وصل الاسكندر لآسيا أول مرة , كان أول من نزل من السفينة
ثم غرز رمحه في الأرض الآسيوية
تماماً مثلما فعل أول بطل من الإلياذة لما وصلوا هنا في الحروب الطروادية
أن تعيش حياتك وفقاً للإلياذة
نص كان عمره حينها 500 سنة-
أمر كان سيصدم معظم الإغريق لكونه غير مرتبط بالواقع لحد ميؤوس منه
لكن وعلى أي حال , فقد اعتبروا -بدرجة محدودة- الاسكندر مهرجاً أخرقاً
مغفلاً فظاً
لكن بالنسبة لرجل كان يحكم مملكة بالبراعة العسكرية
وقوة الأسلحة الفردية ستكون الإلياذة ذات معنى مثالي
إعادة تمثيل التاريخ تواصلت بحج إلى طروادة
لتكريم ذكرى آخيل
ملهمةً بشكل ملائم شقت جيوش الاسكندر طريقها مدينة بعد مدينة
نزولاً مع الساحل الغربي لآسيا الصغرى
كانوا قريبين طول الوقت من طريدتهم
داريوس الثالث ملك الفرس العظيم
في سبتمبر سنة 333 قبل الميلاد
لحق الاسكندر بداريوس عند أسوس
No comments yet. Be the first to leave one.