نخستین 200 خط.
سحب و تعديل: محمد سامى عبد الهادى
"مسلسلات NETFLIX"
الكهرباء تحقق العجائب بالنسبة إلينا.
أصبح البشر فصيلة تنشط على مدار الساعة.
لكن غطاء النور الذي يغلّفنا يعزلنا
عن أحد أروع نواحي العيش على هذا الكوكب،
وهو سماء الليل.
بالنسبة إلى البشر القدامى،
فإن التحديق إلى النجوم كان يُعتبر أعظم عرض في العالم،
وأكثر وسيلة تسلية لتمضية لياليهم الطويلة والمعتمة.
كانوا يعرفون كل شبر من درب التبانة،
وكل مجموعة نجوم برّاقة، وكل مذنّب يشق طريقه في السماء.
ولهذا السبب، حيثما نظرنا في العالم القديم،
نجد بنى ضخمة تشدّ انتباهنا إلى السماوات.
لكن ماذا لو كان الأمر أكثر من ذلك؟
الأهرامات والمعابد القديمة في أرجاء العالم
تربط السماء بالأرض بتراصف دقيق مع الشمس والقمر والنجوم.
لماذا أولى البنّاؤون عناية بالغة بذلك وبهذه المقاييس الضخمة؟
هل كانوا يحاولون إخبارنا بشيء ما؟
وحتى تحذيرنا من أنه علينا الانتباه إلى السماوات، مهما كان الثمن؟
"إرث الحكماء"
أنا في "تركيا"، وأتوجه إلى تلة منعزلة
تبعد حوالي 42 كيلومترًا عن الحدود مع "سوريا".
إنها اليوم منطقة مضطربة من العالم،
لكنها كانت ذات أهمية كبيرة في قصة البشرية.
"البحر الأسود - (تركيا) البحر الأبيض المتوسط - (سوريا) - (العراق)"
في جنوب شرقي "تركيا"، قرب مدينة "أورفة" في الزمن الحاضر،
حدث شيء ملفت للنظر قرب نهاية العصر الجليدي الأخير.
"10,000 قبل الميلاد"
"(أورفة)"
أسلافنا الصيادون وجامعو الطعام من العصر الحجري،
اكتشفوا فجأةً الزراعة وبدؤوا بتأسيس مستوطنات.
"(إيران) - بلاد الرافدين - الخليج العربي"
حدث هذا على امتداد ما سيُعرف فيما بعد باسم "الهلال الخصيب"،
الذي يمتد حتى جنوب الخليج العربي.
"4,000 قبل الميلاد"
قبل حوالي ستة آلاف عام، ستنجب المنطقة المعروفة باسم بلاد الرافدين
ما اعتُبر لزمن طويل
أول حضارة في العالم، الحضارة السومرية.
"(سومر)"
لكن هذا الجزء من التاريخ يحتاج بشدة إلى إعادة كتابة.
عام 1994، وبينما كانوا يحققون في حقل أحد المزارعين،
رأى علماء الآثار حجارة غريبة منقوشة تبرز من الأرض.
بعضها ذات أحجام ضخمة.
أدت عمليات التنقيب اللاحقة إلى سلسلة من الاكتشافات المذهلة.
هذا الموقع الأثري الذي نُبش حديثًا
يفرض علينا التخلّي عن كل تحامل ضدّ أسلافنا من العصر الحجري.
بعيدون كل البعد عن كونهم بدائيين تكنولوجيًا،
فإن إنجازاتهم هنا تثبت
أنهم امتلكوا مقدرات كانت غير متوقعة حتى الآن
وتنافس المقدرات التي تمتلكها
الحضارات اللاحقة والتي يُفترض أنها أكثر تقدمًا.
تحت الغطاء المعاصر الذي شُيد لحمايته من عناصر الطبيعة،
هذا موقع "غوبكلي تبه".
"(غوبكلي تبه)"
واستنادًا إلى كل ما علّمونا إياه عن حقبة ما قبل التاريخ،
يُفترض ألّا يكون له وجود.
يعترف علماء الآثار بأنه يعود إلى 11,600 سنة خلت،
"9,600 قبل الميلاد"
مما يجعله أقدم بناء ضخم معترف به على الأرض.
إنه موقع ميغالتي معقّد ومتقدّم للغاية
أقدم بحوالي سبعة آلاف سنة من "ستونهنج"،
"(ستونهنج) - (المملكة المتحدة)"
وأقدم بحوالي سبعة آلاف سنة من أهرامات "الجيزة".
وفجأةً ثبت أن فكرة عدم وجود ثقافة في العالم
قادرة على القيام بأمور كهذه قبل 12,000 سنة
غير صحيحة إطلاقًا.
المبنى أقدم حتى من فترة اختراع الدولاب
أو ترويض الأحصنة.
بُني في زمن كانت الأرض قد خرجت فيه حديثًا من العصر الجليدي الأخير،
حين كان يُفترض أن السكان المحليين
مجرّد صيادين وجامعي طعام يعيشون في أكواخ من الطين.
لكن إن لم يكونوا متطورين كفاية
لتصميم وبناء هذه الأعجوبة الميغالتية،
فمن بناها ولماذا؟
ما هذا المكان؟
من النظرة الأولى، يبدو ما نراه هنا محيرًا.
لكن إن نظرنا من كثب، وجمعنا كل الأدلة،
نستطيع تكوين فكرة جيدة
عن مدى طموح وفخامة هذا البناء في أوجه.
تجثم على جانب التلة
مع آثار قليلة على وجود أية مستوطنات بشرية بالقرب منها
أربع أفنية دائرية، وكلها بتصميم متشابه.
في وسط كل منها،
يقف عمودان ميغالتيان على شكل حرف "تي" بالإنكليزية
يصل وزنهما إلى قرابة عشرة أطنان
ويقفان على أرضية مصقولة.
شخصيات ضخمة متشابهة،
بعضها مع ذراعين ويدين منحوتة في الصخر،
ورؤوس منحنية.
وهي محاطة بأعمدة أصغر على شكل حرف "تي" بالإنكليزية،
والعديد منها تحمل نقوشًا وزينة دقيقة،
وكلها متصلة بجدران حجرية دائرية وممرات.
كيف رُفعت هذه الكتل الضخمة ووُضعت هنا؟
لا أحد يعرف.
ما يحيّر كل من يأتون إلى هنا،
بمن فيهم علماء الآثار الذين نبشوا الموقع،
هي النقوش المدهشة.
تُوجد في جميع أرجاء "غوبكلي تبه" رموز لحيوانات.
إنها أشبه بفلك "نوح" مصنوع من الحجر.
المخلوقات المصوّرة في "غوبكلي تبه" مرتبة ومنسقة
كما لو أن الهدف منها رمزي وليس واقعيًا.
وهناك أمر آخر غير تقليدي في البنى الميغالتية هذه.
"(غوبكلي تبه)"
عندما قام علماء الآثار بتأريخها بالكربون،
اتضح أن هذه الأفنية المسورة الأربعة لم تُبن في الوقت نفسه.
"(آي) - (بي) - (سي) - (دي)"
الفناء "دي" يعود إلى قبل 11,600 سنة…
"(دي) - 9,600 ق. م"
لكن أحدثها، الفناء "آي"، بُني قبل حوالي 10,500 سنة.
"(آي) - 8,500 قبل الميلاد"
بدلًا من تحديث المبنى الذي كان موجودًا بالفعل،
استمر الناس هنا ببناء أفنية جديدة
على امتداد 1,100 سنة،
وفي كل مرة كانوا يزيحون تراصفها قليلًا.
ما يثير الفضول أيضًا
هو أن أقدم فناء فيها، أي الفناء "دي"،
هو أيضًا أكبرها حجمًا
والنقوش فيه هي الأكثر دقة بين المجموعة.
لا يستيقظ الصيادون وجامعو الطعام فجأةً
ذات صباح ويفكرون في أنفسهم قائلين، "سنبني
أضخم موقع ميغالتي سيشهده العالم يومًا ما."
عادةً كلما تمرّنا على شيء ما، ازدادت براعتنا فيه.
كعمال المقلع المعاصرين هؤلاء
الذين لا يزالون يقصون الحجر في الموقع في التلال المحيطة بـ"غوبكلي تبه" اليوم،
نفترض أن الثقافات القديمة عملت بالطريقة نفسها بالتأكيد،
وصقلت مهاراتها مع مرور الزمن.
لكن "غوبكلي تبه"، والفناء "دي" على وجه التحديد،
يبدو أنه يقلب هذه الفرضية رأسًا على عقب.
كيف نجح مجتمع من الصيادين وجامعي الطعام من العصر الحجري
على هذا النحو الرائع
في تشييد مبنى بحجارة الميغالت من محاولتهم الأولى.
ألم يحن الوقت كي نأخذ بعين الاعتبار احتمال أن الأفنية الميغالتية
لم تكن اختراعًا قام به الصيادون وجامعو الطعام بين ليلة وضحاها
بل أنها كانت إرثًا
من حضارة مفقودة أكثر تطوّرًا من زمنها من حقبة ما قبل التاريخ؟
هذه فكرة
يجدها علماء الآثار من التيار السائد مهينة تقريبًا.
العلماء الأكاديميون عالقون في ذهنية معينة
تقول إنه خلال العصر الجليدي،
كان سكان الأرض جميعًا في مرحلة الصيد وجمع الطعام.
ومع ذلك، تبيّن أن بنّائي "غوبكلي تبه"
كانوا أكثر طموحًا بكثير من الصيادين وجامعي الطعام التقليديين.
عام 2003، وباستخدام رادار قياس الأرض، كشف مسح جيوفيزيائي
ما يقارب 20 فناءً حجريًا آخر داخل التلة
وأكثر من 200 عمود.
معظمها لم يجر التنقيب عنها.
مجمّع ميغالتي ضخم يمتد على مساحة تسعة هكتارات،
ما يعادل 12 ملعب كرة قدم.
إنه موقع هائل.
لا يمكن أن تستيقظ فجأةً من دون أن تكون لديك مهارات سابقة،
أو معرفة أو خلفية سابقة في العمل على الحجر،
وتصنع شيئًا مثل "غوبكلي تبه".
لا بد أن يكون خلف هذا البناء تاريخ طويل وهذا التاريخ مفقود.
وبالنسبة إليّ، يشير هذا بقوة إلى وجود حضارة مفقودة.
تنقل التكنولوجيا الخاصة بها،
ومهاراتها ومعارفها إلى الصيادين وجامعي الطعام.
"غوبكلي تبه" ليس المجمع الوحيد الذي يعود إلى نهاية العصر الجليدي الأخير
الذي جرى اكتشافه مؤخرًا هنا.
عام 2019، بدأ علماء الآثار الأتراك بالتنقيب في موقع آخر،
على بعد ساعة بالسيارة شرقًا، يُدعى "كاراهان تبه"…
"(كاراهان تبه)"
وكشفوا عن شيء غير متوقع.
لم تسمح السلطات التركية قط لفريق تصوير خارجي بالتصوير هنا…
إلى اليوم.
يعتقد كبير علماء الآثار "نكمي كارول"،
بأن هذا الموقع بنفس عمر "غوبكلي تبه"
وربما يكون أقدم.
لكنه مختلف جدًا.
تضم الغرفة الرئيسية أعمدة بشكل حرف "تي" وأحجار ميغالتية،
لكن أحد أطرافها منحوت بصخر الأساس
وهي كبيرة بما يكفي لتتسع لعشرات الأشخاص.
ماذا حدث برأيك في هذا المبنى؟
هل لديك أية أفكار على الإطلاق؟
"البروفيسور (نكمي كارول)، جامعة (إسطنبول)"
نستطيع تأويلها على أنها منصة لمنطقة جلوس…
- نعم. - …ولاجتماع الناس،
- لأنه مبنى كبير. - نعم.
يبدو أن "كاراهان تبه" مكان لممارسة الشعائر.
النقوش على الجدران
ليست بنفس حرفية تلك التي في "غوبكلي تبه".
لكننا نرى شخصيات ترتدي أثوابًا.
هل يُعقل أن تمثّل مهندسي العمارة الحقيقيين للموقع؟
- أرشدني يا بروفيسور. - نعم.
قادني البروفيسور إلى غرفة جانبية غريبة،
بطول ثمانية أمتار وعرض ستة أمتار وعمق مترين.
عشرة أعمدة تشبه القضبان الذكرية
نُحتت بهدف واضح ومهارة كبيرة مباشرةً في صخر الأساس.
وينتصب العمود الـ11 بمفرده وبفخر.
كما حُفرت قناة متعرّجة ضمن الصخر
لتسمح لسائل ما بالتدفق إلى هذه الغرفة،
كالماء أو ربما الدماء.
ويطغى عليها رأس غامض منحوت بالصخر.
عنق تلك الشخصية تشبه الأفعى،
وهي تخرج من الصخر وتطلّ على هذه الأعمدة
وتقف هناك وسط الفناء.
إنه يضفي طابعًا ملتويًا، ويمكنني القول إنه ينذر بالشر.
إنه وجه قوي جدًا.
إنه وجه بشري
- منحوت من صخر الأساس… - منحوت في صخر الأساس.
No comments yet. Be the first to leave one.