نخستین 190 خط.
سحب و تعديل: محمد سامى عبد الهادى
"مسلسلات NETFLIX"
ما أقترحه هو شيء قد ننظر إليه
كحضارة متقدمة كانت موجودة خلال العصر الجليدي.
لا أقول إنهم طاروا إلى القمر.
لكن ما أقوله إنهم كانوا متقدمين أكثر بكثير
في مجال المعرفة العلمية،
من علوم الأرض والكون،
مما تعلّمنا.
وكانوا قادرين على تحقيق إنجازات مدهشة في الهندسة،
كالموقع الذي أتجه إليه في منطقة "كبادوكيا" في "تركيا".
يُوجد هناك ملجأ قديم عميقًا تحت الأرض…
مبني ليس لإيواء بضعة أشخاص فحسب، وإنما آلاف الأشخاص.
جادل المؤرخون من التيار السائد لزمن طويل حول الغرض منه،
لكنني أعتقد أنه قد يفسّر
كيف ضاعت تلك الحضارة المفقودة التي أبحث عنها.
هذه قصة "ديرنكويو".
"شتاء مهلك"
جئت إلى منطقة في "تركيا" تُدعى "كبادوكيا".
على بعد حوالي 385 كيلومترًا شمال غرب أفنية "غوبكلي تبه" الغامضة…
"(غوبكلي تبه)، (تركيا)"
التي دُفنت عمدًا،
لتخلّد ذكرى زمن من الكوارث العظيمة في نهاية العصر الجليدي.
على مدى ملايين السنين، تغيّر المشهد الطبيعي في هذه المنطقة
بفعل سلسلة من الانفجارات البركانية، التي وضعت عدة طبقات من الرماد،
انضغطت على مرّ العصور لتشكّل حجرًا طريًا يُدعى بالطف.
حجر تسهل على عناصر الطبيعة تشكيله،
شكّل ما يدعوه السكان المحليون بـ"مداخن الجان".
لكنه حجر سمح أيضًا ببناء
أحد أضخم المشاريع المذهلة
التي خاضتها البشرية عميقًا تحت هذه الصخور الطرية.
على بعد بضعة كيلومترات من مكان وقوفي،
جرى الكشف عن مدينة غامضة مخبأة شُيدت قبل آلاف السنين.
إنها من صنع حضارة لم تُحدد بعد
كان من الواضح أن الخوف هو الحافز وراء بنائها.
السؤال المهم هو الخوف مم؟
أقرب بلدة إلى الموقع، بلدة "ديرنكويو"، تبدو عادية جدًا.
لكن عام 1963، بينما كان المطورون العقاريون يرممون منزلًا هنا، اخترقوا طابقًا،
واكتشفوا نفقًا عميقًا قاد إلى عالم منسي.
من الصعب أن نصدّق، ونحن نسير في الشوارع المغبرة لهذه البلدة الصغيرة،
أنه يُوجد تحت أقدامي مكان منحوت في صخر الأساس،
عبارة عن مجمّع قديم وهائل تحت الأرض يكتنفه الغموض.
إن كنتم تخافون من الأماكن الضيقة، فقد حذّرناكم.
سننزل تحت الأرض.
هذه مدينة "ديرنكويو" المطمورة.
"(ديرنكويو)"
سلسلة من الأنفاق والغرف الحجرية
التي تغوص حتى عمق 85 مترًا تحت السطح…
وتخلق 18 طابقًا من الغرف والأنفاق.
المجمّع كله حُفر بفؤوس يدوية.
شبكة مربكة
تنفتح أحيانًا على أماكن واسعة.
من الداخل، يكاد يكون من المستحيل معرفة حجم هذا المكان.
لكن جرى وضع خرائط لمعظم أجزاء هذه المدينة المطمورة
وإن أزلنا الصخور بين الأفنية،
فنستطيع رؤية مقطع أفقيّ للمدينة،
وهو مدهش للغاية.
إنها مزرعة نمل لكن بمقاييس البشر، مع كهوف وأنفاق تحت الأرض
تمتد على مساحة أربعة كيلومترات مربّعة.
لتهوية المكان بشكل جيد، تضم "ديرنكويو" ما يزيد عن 15 ألف قناة هوائية
تربط الطوابق العليا بالسطح…
وأكثر من 50 نفقًا عموديًا،
بعضها يمتد حتى طبقة المياه على عمق 85 مترًا تحت السطح…
وهو ما يعطي المجمّع اسمه.
فكلمة "ديرنكويو" تعني، "البئر العميقة."
مكان مدهش في إبداعه وتعقيده المعماري،
ويُقدّر أن "ديرنكويو" بوسعه إيواء حتى 20 ألف شخص.
لكن السؤال يبقى قائمًا.
أي أشخاص؟ متى؟ وأين؟
من الصعب أن نعرف بدقة،
لأن "ديرنكويو" يشبه مسرح جريمة تعدّى عليه الناس لأجيال.
"(تركيا) - (سوريا)"
مرت على هذا الجزء من "تركيا" ثقافات عديدة.
"(كبادوكيا)"
لقرون عديدة، احتلت "كبادوكيا" موقعًا ذا أهمية استراتيجية…
"(نوشهر)، (ديرنكويو)"
على طول طريق الحرير الأسطوري الذي كان يربط بين "آسيا" و"أوروبا"،
ويعود إلى زمن "الإسكندر" الأكبر.
"طريق الحرير"
العلّامة التركية، "سيفم تونكديمير"،
خبيرة في أنفاق "ديرنكويو" وفي سكانها المتعددين.
"(سيفم تونكديمير) - مديرة المتحف"
كانت المنطقة موطنًا للعديد من الحضارات.
إن قمنا بإحصائهم منذ البداية،
لدينا الحيثيون،
ثم الفريغيون، ثم الفارسيون،
ثم مملكة "كبادوكيا"،
ثم الإمبراطورية الرومانية.
كل الناس الذين مرّوا من هنا استخدموها.
ظلّت مستخدمة حتى حقبة العثمانيين.
"1,400 ميلادية"
عندما اكتُشفت الأنفاق لأول مرة،
وجد علماء الآثار قطعًا أثرية تركها المسيحيون الأوائل،
وفي الطوابق السفلى، كانت هناك غرف اجتماعات سرية
منحوتة بأسقف مقببة كالكنائس.
لذلك فإن القصة الأصلية،
والتي لا يزال العديد من المؤرخين يتمسكون بها اليوم،
هي أن الأنفاق تحت "ديرنكويو"
حفرها المسيحيون في القرن السابع ميلادي…
"650 ميلادية"
في محاولة للاختباء من الغزوات العربية.
إنها رواية تروق للسياح الغربيين.
لكنها أيضًا غير صحيحة.
عثرت عمليات تنقيب لاحقة على دليل يشير إلى استخدام الناس لهذه المدينة المطمورة
قبل زمن يصل إلى ثمانية قرون قبل الميلاد…
"750 قبل الميلاد"
قبل وجود المسيحيين هنا بمئات السنين.
نواجه هذا الأمر مرة تلو الأخرى في المواقع الأثرية حول العالم.
نجد لوحات تعريفية ضخمة تستند إلى حكمة علماء الآثار المقبولة،
ومرة تلو الأخرى نجد تلك اللوحات مخطئة.
مخطئة بحسب الوقائع.
يثبت خطؤها من خلال عمليات الحفر اللاحقة، ومع ذلك لا يجري تغييرها.
لا تثقوا باللوحات التعريفية. قوموا بالبحث بأنفسكم.
لا تعتمدوا على الخبراء المزعومين.
هناك ثقافات عديدة استخدمت هذه الأنفاق على مرّ القرون،
لكن ما أود معرفته هو من بدأ بهذا المشروع المميز.
إلى أي زمن يعود؟
كان المؤرّخ "حسام سوليمانغيل" يحقق في هذا الموقع منذ عقود،
محاولًا الكشف عن أصوله الغامضة.
حين أنظر إلى "ديرنكويو" ومدى تعقيده أشعر بالحيرة.
متى بدأ هذا المشروع برأيك؟
هناك عدة نظريات تتناوله…
"(حسام سوليمانغيل) - مؤرّخ"
لكن لم يثبت العلم أيًا منها.
صحيح.
لم يجدوا أية معلومات مكتوبة.
لم يجدوا أية مواد عضوية لاستخدامها في التأريخ بالكربون.
هل تُوجد أية تواريخ كربونية؟
ليس على حدّ علمي.
هذا مدهش.
إذًا لا يزال تاريخ تشييده لغزًا كبيرًا.
لديّ نظرياتي الخاصة،
لكن "حسام" يقترح تاريخًا
استنادًا إلى أقدم ثقافة استخدمت هذه الكهوف.
أكثر نظرية قابلة للتصديق في نظري،
هي أن الموقع يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد.
في ذلك الوقت، كان هذا الجزء من العالم
يقطنه شعب يُدعى بالفريغيين،
الذين كانوا يعيشون تحت تهديد إمبراطورية أخرى، الآشوريون.
نعلم أنه كان هناك جيش آشوري ضخم قادم من الجنوب الشرقي.
كان الفريغيون ينظرون إلى الجيش الغازي برعب عظيم.
كان لدى الآشوريين سمعة سيئة بسلخ جلد سجنائهم،
ووضعهم على خوازيق وحرق الأطفال وهم أحياء.
بحسب الروايات الأخيرة،
فإن الغزاة الآشوريين الذين زحفوا على الشعب في هذا الوادي،
تفاجؤوا من أساليب المدافعين المبتكرة.
كان الفريغيون يقاتلون الجيش الآشوري
بأسلوب حرب العصابات،
ويهاجمون الجيش في أماكن غير متوقعة.
وحين كان الجيش يبدأ بمطاردتهم،
كانوا يأتون ويستخدمون هذه الأماكن كمخابئ.
إنه أسلوب في حرب العصابات أثبت نجاحه على مرّ العصور.
إذ حفر الـ"فيت كونغ" أنفاقًا مشابهة في جنوب "فيتنام".
وفعل الثوار الأفغان الشيء نفسه
للاختباء من القوات السوفيتية الغازية المتفوقة، والأمريكية من بعدها.
هذا الموقف الرسمي،
الذي يفيد بأن الفريغيين حفروا هذه الأنفاق كقاعدة عسكرية سرية،
يبدو أن هناك ميزات معقدة وذكية تدعمه…
وهي أقراص حجرية ضخمة تمكن دحرجتها لتأخذ مكانها،
وتغلق المعابر.
قد يصل قطر تلك الأبواب المتدحرجة إلى متر ونصف
ويمكن أن تزن نصف طن.
على الجزء الداخلي من القرص يُوجد ثقب.
إن وضعتم حجرًا صغيرًا كمقبض يمكنكم دحرجة الباب وإقفاله،
وخلق حاجز سلس ورائع ضد أي شخص يتواجد في الجانب الآخر.
لكن هل صنع الفريغيون حقًا هذه الأبواب الذكية،
أم أنها كانت موجودة من قبل؟
إنها مصنوعة من الرماد المضغوط نفسه
الذي تتكون منه مداخن الجان.
الحجر الطري نفسه الذي سمح لأحدهم بحفر هذا المكان في المقام الأول.
إنها بالتأكيد أبواب للعزل، تفصل الطوابق عن بعضها،
ويتطلّب وضعها في مكانها هندسة معقّدة.
لكن الحجر طريّ
ويمكن لجيش المهاجمين المصمم المتسلّح بمطارق وأزاميل
أن يخترقها بسهولة،
مما يجعل كل الجهد المبذول لبناء هذه الكتل الميغالتية هباءً.
بدأت أتساءل إن كانت قد صُممت لردع المهاجمين البشر أساسًا.
في نظري، لا تبدو كتحصينات دفاعية
بقدر ما تبدو كوسيلة ذكية لتوفير الخصوصية بين الأقسام،
أو لمنع النيران من الانتشار.
حتى لو أن هذا المكان قد حُفر أساسًا ليكون منشأة عسكرية،
فلماذا حُفر هنا؟
لم يكن يُوجد هنا شيء للدفاع عنه.
لم تكن هناك مستوطنات
فوق الأرض في "ديرنكويو" حتى العام 1830.
فكرة أن هذه أماكن كان الناس يختبئون فيها من الجيوش الغازية
لا تبدو منطقية بالنسبة إليّ.
حين يدخل جيش غاز إلى منطقة ما،
فإنه يدخل للاستيلاء والاستحواذ عليها واحتلالها.
كل ما عليهم فعله هو سدّ المداخل وانتظار موت المدافعين جوعًا.
No comments yet. Be the first to leave one.