200 บรรทัดแรก
قبل زمن بعيد، كانت سهول شرق "إفريقيا" موطنًا لأسلافنا القدماء.
ولأسباب طمسها الزمن،
قرّر بعض أولئك الأسلاف أن يتركوا موطنهم
ويرتحلوا شمالًا،
ومن هنا نشأ إنسان نياندرتال.
بمرور الزمن ازدادت أعدادهم.
امتدّت أراضيهم من "روسيا" إلى ساحل "المحيط الأطلسي".
شكّلوا عشائر صغيرة جابت أرجاء تلك البرية الشاسعة.
وصمدوا رغم الصعاب لأكثر من 300 ألف سنة
إلى أن...
اختفوا فجأة.
وقليلة هي الأماكن التي بقي فيها رفاتهم.
وأحد أبرز تلك الأماكن
يقع في "الشرق الأوسط"،
وهو كنز أثري دفين
مختبئ في أعماق جبال "كردستان":
كهف "شاندر".
كهف "شاندر"
يُعدّ من أسمى الكهوف توقيرًا في العالم
في زمن إنسان نياندرتال والإنسان العاقل.
وفي مكان ظلّت فيه الحياة قائمة على الدوام،
قد نجد إجابات للأسئلة.
الأسئلة التي ما تزال غامضة.
من هم بشر نياندرتال؟
وما سرّ نجاحهم الكبير الذي استمرّ لزمن طويل؟
ولماذا اختفوا في النهاية؟
"أسرار الإنسان البدائي"
يقع كهف "شاندر" في سفوح سلسلة جبال "برادوست"،
لكن تسميته "سفحًا" لا توحي بالصورة الذهنية الملائمة.
فهو يمنح انطباعًا بأنه جبل بسبب تضاريسه الخشنة وانحداره الحادّ.
لكهف "شاندر" جاذبية كبيرة بسبب حجمه ومداه.
علينا الاقتراب من الأسفل، وهو مثير جدًا للإعجاب.
الكهف ضخم جدًا.
ومدخله واسع جدًا، لذا فهيكله خفيف جدًا.
فوقنا تطير طيور السمامية،
وفوقها تُحلّق العقبان، وفي الليل تعوي الذئاب.
إنه مكان مذهل.
وكوني المسؤولة عن التنقيب هنا هو أمر استثنائي للغاية.
"د. (إيما بوماروي)، عالمة مستحاثّات البشر، جامعة (كامبريدج)"
"إيما" فرد في فريق من علماء الآثار البريطانيين
الذين دعاهم زملاؤهم الأكراد لمواصلة العمل في الكهف.
لكهف "شاندر" رمزية بارزة في تاريخ دراسات إنسان نياندرتال،
وأدّى دورًا محوريًا في حثّنا على إعادة التفكير
في افتراضاتنا عن أنشطة إنسان نياندرتال وعن وصفه وقدراته.
الهدف من المشروع الجديد
هو الاستعانة بكامل قدرات علوم الآثار المتاحة بين أيدينا الآن،
لنسلّط ضوءًا جديدًا على سلوك إنسان نياندرتال.
لم يحدث تنقيب في الخندق منذ ستينيات القرن الماضي.
ومنذ ذلك الحين،
تغيّرت أفكارنا عن أقرب أقربائنا البشر تغيّرًا كبيرًا.
ما نزال نستخدم مصطلح "نياندرتال"
لوصف شخص أخرق أو ما شابه.
فما يزال المصطلح مستخدمًا كإهانة في اللغة الشائعة،
فيُقال: "شخص غبي كالنياندرتال."
لكن من منظور علم الآثار، النياندرتال أقرب وأقرب إلى الإنسان العاقل.
وجزء كبير من هذه الأفكار المصحّحة...
"أ. (غرايم باركر)، مدير مشروع كهف (شاندر)، جامعة (كامبريدج)"
...يرجع إلى عمل "رالف سوليكي" هنا في كهف "شاندر".
"(العراق)"
وُلد الأستاذ "رالف سوليكي" عام 1917.
ومات قبل بضع سنوات في سنّ كبيرة.
كان صلبًا جدًا.
وقف على لغم أرضي في الحرب العالمية الثانية،
ونجا بأعجوبة.
كان رجلًا مميّزًا جدًا بكلّ تأكيد.
ليس واضحًا لي بالضبط كيف سمع بكهف "شاندر"،
لكنه أتى إلى هنا...
"كهف (شاندر)، 1957"
...وعمل هنا لخمسة مواسم بين عامي 1951 و1960.
مدّ خندقًا من الشمال إلى الجنوب يشمل معظم أرضية الكهف.
وسبب شهرة الموقع الواسعة
أنه وجد عشرة رجال ونساء وأطفال من بشر نياندرتال.
"(عبد الله برزاني)"
في ذلك الحين،
كنا شبابًا.
كانت سنّي تقريبًا
تبلغ 17 أو 18 سنة.
علّمنا الدكتور.
خرجت من الكهف حجارة كبيرة كثيرة.
استخدموا متفجّرات.
وجدوا هياكل عظمية لبشر نياندرتال. كان حدثًا جللًا.
كانت أضلاعهم وعظامهم سميكة.
كانت رؤوسهم كبيرة جدًا.
وكذلك أيديهم.
كان كلّ شيء فيهم مدهشًا.
كان ذلك أول اكتشاف كبير لـ"سوليكي".
سمّاه "شاندر 1".
هيكل عظمي من نوع مختلف جدًا عن نوعنا.
سمات ذلك الإنسان أمتن منا بكثير:
قوسان حاجبيّتان كبيرتان، وجمجمة مختلفة الشكل كثيرًا
عن جمجمتنا الأقرب إلى الاستدارة.
كان ممتلئ الجسم.
ونفترض أنه كانت لديه لغة ما.
كلّما زادت معرفتنا به،
اتضح أنه أكثر تعقيدًا بكثير
ممّا ظننا قبل 40 أو 50 عامًا.
نسمّيها "شجرة الحياة".
كلّ إنسان وكلّ حيوان
يمثّل غصنًا في شجرة الحياة تلك.
"(عبد الوهاب سليمان حسن)، عالم آثار، مدير الآثار والتراث في (سوران)"
نحن نمثّل أحد الفروع، وإنسان نياندرتال مثّل فرعًا آخر.
وفي مكان ما على امتداد الخط، افترقنا.
أشعر صدقًا
بأني جالس فوق رفات أحد أبناء عمومتي.
في هذه اللحظة، نحن على عمق نحو 4.5 أمتار من سطح الكهف،
أي ما يعادل 45 ألف سنة مضت تقريبًا.
هذا هو المستوى
الذي دُفن فيه "شاندر 1" أو ترسّب فيه.
"(شاندر 1)"
"مات قبل 45 ألف سنة"
كان قد تعرّض لإصابة في الجانب الأيمن من رأسه.
وفي العين اليسرى أيضًا،
وهي إصابة ربما أعمت عينه تلك،
وربما لها علاقة ببعض إصاباته الأخرى.
كان أيضًا مشلولًا في ذراعه اليمنى...
وكُسرت ذراعه اليمنى في أكثر من موضع،
بل ويبدو أيضًا أن الجزء السفلي منها بُتر إمّا عمدًا وإمّا نتيجةً لحادثة،
أي أنه كان بلا ذراع يمنى ابتداءً ممّا فوق المرفق.
كما لحقت به إصابات أخرى، وعانى من التهاب مفاصل حادّ في ركبته.
ووُجدت كسور في عظام قدمه.
لذا من المحتمل في ما يتعلّق بالصيد مثلًا
أنه كان عاجزًا عن الصيد بالطريقة المعتادة،
لكنه بقي حيًا حتى سنّ متقدّمة نسبيًا.
كانت تبعات الاكتشاف الجديد هائلة.
مثّل اكتشاف "شاندر 1" تحوّلًا محتملًا كبيرًا،
لأنه أشار إلى احتمال
أن عنصر الاهتمام والشفقة كان حاضرًا في مجتمع بشر نياندرتال.
كان ذلك دليلًا على فرد أُصيب بجروح خطيرة، فساندته عشيرته.
وسرعان ما اكتشف "سوليكي" جثّة أخرى لها قصّة بالقدر نفسه من التميّز ليرويها.
"(شاندر 3)"
"مات قبل 45 ألف سنة"
كان "شاندر 3" ذكرًا بالغًا آخر
ويحمل إصابات بدوره،
منها ما بدا أنه جرح بالغ في ضلوعه.
وهو تذكير صارخ بالجانب العنيف لحياة العصر النيوليثي.
والمفاجأة أن أماكن أخرى من الكهف وُجد فيها مزيد من الآثار
التي تُقدّم دليلًا على مصير "شاندر 3".
"(مايكل هتشكوك)، محلّل أدوات حجرية"
هذه آثار استُخرجت من كهف "شاندر".
هذه القطعة الكبرى هي ما نسمّيه "نواة".
والنواة حصاة.
والحصاة حجر مدوّر قد يكون مصدره النهر.
التقط إنسان نياندرتال هذا الحجر بنيّة قصّ قطع منه،
إمّا ليحوّل الحجر نفسه إلى أداة،
وإمّا ليأخذ القطع المقصوصة، والتي نسمّيها "قشورًا"، ويستخدمها كأداة.
وهي متاحة في نهر "الزاب" الذي يبعد نحو ثلاثة كيلومترات في هذا الاتجاه.
أحاول صنع ما يشبه رأس رمح.
ما أفعله هو أني أتتبّع امتداد الحافّة
وأقصّ منها قطعًا صغيرة.
وبهذا أشحذ الحجر.
لم أقصّ قدرًا كبيرًا،
لكننا نرى من الآن أن الحجر أصبح حادًا جدًا.
أي أن صنع رأس مدبّب كهذا
لم يستغرقني سوى خمس دقائق أو ستًا.
هذا سلاح فتّاك جدًا إن أمسكت به اليد المناسبة
وحمله شخص يعرف ما يفعل ويفهم ما يحمل.
من الأمور اللافتة جدًا في "شاندر 3"
أنه أُصيب بجرح نافذ.
وهذا يشير إلى أن الطرف الحجري للرمح، أو للسلاح أيًا كان،
قد اخترق القفص الصدري،
ومن المحتمل جدًا أنه اخترق إحدى الرئتين وأدّى إلى انهيارها.
الجرح في أضلاعه يتماشى مع مقذوف.
فلنا أن نتصوّر رمية رمح.
ربما كانت حادثة صيد،
أو ربما اشتباكًا عنيفًا بين بشر.
لكن المؤكّد أنه أُصيب بهذا الجرح
وعاش بعده لفترة،
لذا فربما يشير هذا إلى أنه تلقّى دعمًا ومساعدة
لينجو بعد إصابته.
رغم الإصابات البالغة التي لحقت بـ"شاندر 3" و"شاندر 1"،
يظهر أنهما تلقّيا رعاية من المحيطين بهما.
وكان هذا منظورًا جديدًا جذريًا إلى حياة إنسان نياندرتال.
وفي مكان آخر،
وُجدت أدلّة أخرى على سلوك ذلك الإنسان
في كهف بعيد شمال غرب كهف "شاندر".
"مدينة (زغرب) الكرواتية"
كلّ دليل جديد ينكشف عن إنسان نياندرتال
يبيّن لنا كم كان بشريًا.
لكن سلوكه كان مختلفًا عن سلوكنا.
فقد عاش في عالم مختلف تمامًا عن عالمنا.
هذا جزء من مجموعة "كرابينا".
ترجع إلى نحو 130 ألف سنة،
وهي أكبر مجموعة من آثار إنسان نياندرتال استُخرجت من موقع واحد.
نُقدّر أنها تخصّ ما يصل إلى نحو 80 فردًا من بشر نياندرتال.
لا يُعثر على جثثهم مدفونةً كاملةً،
بل مجرّد أجزاء من كلّ فرد منهم،
وهذا غريب جدًا.
"(دافوركا رادوفتشيتش)"
"أمينة مجموعة (كرابينا) في (المتحف الكرواتي للتاريخ الطبيعي)"
على عظام "كرابينا" القحفية، أي الجمجمة، وأيضًا على العظام بعد القحفية،
نرى علامات قطع كثيرة من صنع الإنسان.
هذه قصبة ساق،
ويُحتمل أنها كُسرت وتحطّمت عمدًا.
نرى أيضًا علامات قطع هنا، بل وبضع علامات أخرى.
من الأسباب المحتملة لكسر عظمة طويلة
أنها أشبه بحاوية لنخاع العظم.
هذه عظمة شظية عليها علامات لافتة أخرى
على سطح العظمة.
وسببها على الأرجح أن أحدًا
كان يكشط باقي اللحم أو باقي الأنسجة العضلية من على العظم،
No comments yet. Be the first to leave one.