De første 200 linjer.
في غابر الأزمان، استعان العلماء بعلم الهندسة لتقدير حجم الأرض لأول مرة
وأبعادها الحقيقية
أفيمكن للهندسة أيضًا أن تقيس
مقدار القدر الذي نحمله بين أيدينا؟
هذه قصة ساحرة اتخذت من قارة شاسعة ألعوبة لها
إلى أين تريدين الطيران يا عصفورتي الصغيرة؟
يا لكِ من طفلةٍ عسيرة المِراس
البازار نابضٌ بالحياة كعادته، ما أبهجه!
سيدتي
حين تنقضي عدّتكِ على السيد المرحوم، فلنخرج لنطوف بالأسواق
هذا رأيٌ سديد
لكنني أرجو اليوم أن ييسر الله لنا جاريةً صالحة
وإن كانت لن تبلغ مَبْلَغَكِ خِدمةً وأمانة
كلهنَّ دؤوباتٌ مجتهدات
هذه الجارية مثلًا بارعةٌ في الطهو
وهذه حاذقةٌ بالحياكة
وتلك فصيحة اللسان
فقد تصلح أنيسةً لكِ يا خاتون فاطمة
ربما
بيد أن جلَّ ما نحتاج إليه الآن هو...
التنظيف، فهذا القصر الفسيح يفوق جهد كاهلي بمفردي
أجل، فما زلتُ أعمل على فرز مقتنيات زوجي الراحل
أدركتُ ما تعنين
فما رأيكِ في هذه الجارية إذن؟
إنها فذةٌ في شؤون التنظيف
اسمي أنيس
جوهر التنظيف لا يكمن فيما نتخلص منه،
بل فيما نرغب في الاحتفاظ به
أعدكِ بأيامٍ يملؤها النظام والبهاء
هذا ممتاز،
بكم تبيعها لنا؟
ثمانمئة درهم
أعلم أن الرقيق ليس بالرخيص، ولكن هذا مبلغٌ طائل
بربّك يا أحمد، ألا ترفق بنا وتخفّض السعر قليلًا؟
ما كنتُ لأقبل بهذا التفاوض في العادة...
بيد أني سأجعلها استثناءً لكم، وأبيعكم إياها بنصف ثمنها
ماذا؟
ماذا؟
ولكن لقاء شرطٍ بسيط...
تعالي
هيا، افعلي ما لقّنتكِ إياه
ما ألطفها!
من هذه؟
اقتنيتها مؤخرًا، اسمها ستارا
اسمكِ يعني النجمة، ما أبهاه من اسم
فيها شيءٌ من الخجل، غير أن ابتسامتها آسرةٌ كما تَرَيْن
فلو نالت حظًا من التعليم والتهذيب، لصلحت لخدمة علية القوم
ولذلك، لديَّ عرضٌ لكِ...
يا خاتون فاطمة
فبيتكِ منارةُ علمٍ وأدب
كما أن فِطنة الفتى محمد يُشار إليها بالبنان في طوس قاطبة
فتعلُّمها في كنفكم سيُعلي من قدرها وشأنها
فهلَّا قبلتِ بضمّها إليكِ لبعض الوقت؟
أقبلتِ عرضه حقًا؟
أرجوك يا أخي، فأنت الوحيد في بيتنا هذا ممن يحملون إجازة التدريس
فما زلتُ في عدّتي، ولا أعرف معلمًا خارج حدود عائلتنا
ثم إنها، أَمَةً كانت أم حُرَّة، فطلبُ العلم فريضةٌ على كل مسلم
لا جَرَمَ في ذلك
فالتلاوة أساس كل علم
وأول خطوةٍ في هذا الدرب هي تلاوة الذِّكْر الحكيم تلاوةً صحيحة
هيا، ردّدي خلفي
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
الآن دوركِ
هيا، حاولي أن تنطقيها
لا جدوى، فهذه الطفلة تفتقر إلى أدنى موهبة
فكلما لقّنتها شيئًا لم تزد على الابتسام، بلا أدنى رغبةٍ في التعلّم
بيد أنني قطعتُ عهدًا برعايتها
سأعوّضكِ بقيمة التخفيض الذي نلتِه في ثمن الجارية الأخرى
أعتذر يا أخي
سأرسل في طلب من يعيدكِ، فانتظري هاهنا قليلًا
أتقصدين دكان أحمد؟ سأمضي أنا إليه
أجل، سامحني على إتعابك
عليّ بالفرار
لا أريد أن أُباع لمكان مجهول، سأعود إلى بيتي
ضللتُ طريقي
أين المخرج؟
صبيّ؟
كما أن فِطنة الفتى محمد يُشار إليها بالبنان في طوس قاطبة
عفوًا
أين المخرج؟
هذا... لا يجوز
لا ينبغي لامرأةٍ أن تبدو أمام الرجال حاسرة الرأس
لا ضير في ذلك، فأنا ما زلتُ طفلةً صغيرة
أنتِ قريبة جدًا
ثم إنك تبدو صبيًا في نظري أيضًا
يا سيدي محمد
من أنتِ أصلًا؟
اسمي سِتا...
وجدتكِ
بحثتُ عنكِ في كل حدب وصوب بعد أن اختفيتِ فجأة
ورود الحديقة كانت جميلة جدًا فجئت لأراها
كانت تبحث عن المخرج
لا يُصدّق، أكنتِ تحاولين الهرب حقًا؟
على رسلكِ يا زمرّد، سيعود أخي بصحبة أحمد بعد قليل
سامحيني يا صغيرتي
أردتِ العودة إلى دياركِ، أليس كذلك؟
ليس إلى ذلك الرجل
بل إلى الدار التي عشتُ فيها مع أمي
ماتت أمي، فباعني سيّدها
تلك لم تعد داركِ
أنتِ أَمَة
إن أردتِ دارًا تأوين إليها
فاجتهدي بالتعلم ريثما يشتريكِ سيدٌ كريم
إذن، لن أدرس أبدًا
أنا أبغض الدراسة، ولن أتصنع الابتسام بعد الآن
فهذا لا يزيد إلا من ثمني
فإن أنا درستُ، فسأُباعُ إلى مكانٍ أشدَّ بعدًا عن هنا
سئمت من الذهاب إلى أماكن لا أعرف فيها أحدًا
يا صغيرة، أاسمكِ ستارا؟
ألهذا السبب إذن جئتِ لتتعلّمي في دارنا؟
قد يختلف حالي عن حالكِ كثيرًا، بيد أن...
يا زمرّد
أيمكنكِ إحضار دلو ماءٍ من المطبخ؟
حبذا لو كان كبيرًا قدر الإمكان
سمعًا وطاعة
تعالي معي
إلى أين نذهب؟
السطح؟
أيصلح هذا؟
نعم، شكرًا لكِ
سأُلقي هذا في الفناء الآن
أتسألني يا سيدي؟
أحقًا لا أمل فيها؟
ما هذا؟ ما الذي يحدث؟
ما هذا الصوت؟ هل الجميع بخير؟
أضربت صاعقةٌ الدار؟
أهو هجومٌ مباغت للأعداء؟
أهم الرُّحَّلُ الهمج؟
دلو ماء؟
انظري كيف أصابهم الهلع
سيدي، جاوزتْ مزحتك الحدّ
ولكن لمَ أنتما هادئتان هكذا؟
ولمَ لا نكون؟
علمنا أنه سيسقط فسددنا آذاننا
أي أنكما تنبأتما بمستقبلٍ يصدر فيه صوتٌ مدوٍّ
فأعددتما له العدّة المناسبة، أليس كذلك؟
حسنًا... نعم، هذا ما حصل
ربما هذا هو جوهر التعلم
أنتِ لا تدرين الآن أين تضعين قدميكِ
ولا ما يدور حولكِ من خطوب
ولا ما تؤول إليه أقداركِ
إن مسيرة حياتكِ حافلةٌ بالمجهول
وعلى نحوٍ ما، فإن عمي ومن بالأسفل كانوا يشاركونكِ التيه نفسه
بيد أنكِ لو طلبتِ العلم واكتسبتِ الحكمة
لأدركتِ السبيل الأرشد لتسلكيه مهما واجهتِ من عقبات
وهذا لعمري لن يكون أمرًا سيئًا أبدًا
هذا هو التعلّم؟
عمّاه
سامحني على ترويعك، فقد كنتُ أنا الفاعل
هذا الدلو انبعج ولم يعد يُرصّ مع غيره
لم يعد يبعث على السرور
خذيه للإصلاح
وسأتولى أنا إعداد الطعام
مرحبًا يا ستارا
إن أشكلَ عليكِ أي أمرٍ فلا تترددي في سؤالي
حا-حاضر
وهكذا أصبحت ستارا تخدم في دار علمٍ وفضل، وتنهلُ من معارفها
دؤوبةً على طَلَبِ العِلمِ والمعرفة
ما أجملكِ يا سيدتي
شكرًا لكِ، غير أنني ما زلتُ أشعر بالحياء
كلا يا سيدتي، لا تقولي ذلك
فهذا هو اليوم الأول الذي ترتادين فيه الحمّام بعد انقضاء عدّتكِ
تنعّمي واكتحلي واصبغي شعركِ ويديكِ بالحنّاء
وتسامري مع بقية النساء طويلًا
حسنًا حسنًا
سآخذكِ برفقتي ذات يومٍ
يا ستارا
نعم
جزء من آية كريمة وردت في عدة مواضع بالقرآن (كآل عمران، النساء، والنجم)
﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾
لا تزال تلاوتي تختلف عن تلاوة المعلم بطريقةٍ ما
سأطلب منه أن يعلّمني مجددًا
أمّاه، أودُّ محادثتكِ في أمرٍ ما
عجبًا، أين والدتي؟
ذهبت سيدتي فاطمة إلى الحمّام
ألم تخبرك؟
ماذا؟ أكان موعدها اليوم حقًّا؟
أليس في رأسك متسع لغير الدراسة؟
قلتُ لكِ مرارًا ألا تخرجي من غرفتكِ حاسرة الرأس
وقلتُ لكَ مرارًا إنني لا أزال طفلةً صغيرة
ثم إنك لم تتجاوز الثانية عشرة بعد يا سيدي محمد
أفثمة امرأةٌ قد تختمرُ عن غلامٍ لا شعرةَ في وجهه؟
لست طفلًا
أترينني صبيًّا غرًّا في عينيكِ أيضًا؟
أخبرني معلمي أنني غِرٌّ بأمور الدنيا، ولا أفقه من أحوالها شيئًا
معلّم الفقه؟
أجل، الأستاذ كمال الدين، وقد عهد بي والدي إليه قبل وفاته
بيد أنني بات يراودني مؤخرًا شعورٌ بتباين آرائنا
وحين أسأله عن غوامض الأمور، لا يروي ظمئي بجوابٍ شافٍ
إن تجربتك لا تزال ضئيلةً لكي تفهم غوامض هذه الأمور
عزمتُ... على الارتحال
أريد السفر إلى نيسابور لكي أتتلمذ على أيدي شيوخها الأجلاء
بل لن أقتصر على ذلك، بل سأطوف بمدائن أخرى
لأنهل من شتى ينابيع الحكمة
ليس في فروع الإسلام وحدها، بل من كل منهلٍ ومصدر
بحثًا عن الحقيقة
وأرى أن هذا هو الدرب الذي كان يرتضيه لي والدي العالِم الراحل
يا له من مَسْعًى نبيل
والآن أستأذنك بالذهاب، فقد حان وقت غسل الثياب
تفضّلي
No comments yet. Be the first to leave one.