The first 108 lines.
سيكون للتضاريس تأثير مهم على مسار المعركة
يغلب على هضبة اليرموك سهل مسطح متعرج تتناثر عليه النتوءات الصخرية
ويتفرع نهر اليرموك بروافده رُقاد وألان والحرير عميقا في السهل المسطح لتكون وديانا عميقة بمنحدرات حادة
ويظهر على السهل العشبي ما يكفي من الكلأ وعددا من الينابيع لتزويد الجيشين معا بالمؤونة
ولم يكن البيزنطيين على عجلة من أمرهم
إذ تلقى فاهان أوامر من الإمبراطور بمحاولة دفع المال للمسلمين ليعودوا أدراجهم للجزيرة العرب
أو على الأقل المماطلة بالمفاوضات حتى يستعد الساسانيون الفرس لمهاجمة العراق
تكفل بالوساطة جبلة بن الأيهم وغريغوري
لكن مع استغراق المحادثات وقتا طويلا لأربعة شهور، بدأ وصول المدد الذي أرسله عمر بن الخطاب
فتولى فان، الذي شعر بالقلق من احتمال فقدان ميزة التفوق العددي، زمام الأمور بيده وطلب إجراء المفاوضات مع خالد بنفسه
وحسب وصفه، لم يرَ القائد الآرمني بالعرب سوى بدو جائعين وتعساء وفقراء وعرض على خالد الطعام والذهب نظير مغادرة الأراضي البيزنطية
فرد عليه خالد الذي لم يهتم لتفضلات "فاهان "لم يأتِ بنا الجوع إلى هنا
ثم دعا القائد المسيحي لاعتناق :الإسلام مقابل السلام، مضيفا
أما إذا رفضت فهي الحرب، وستواجه رجالا" "يحبون الموت كما تحب أنت الحياة
فاستشاط فاهان غضبا وقال منذرا: "حاول رجال أحسن "منكم الاستيلاء على أرضنا وهُزموا جميعا
انتهت المفاوضات
وضع فاهان المعسكر الرئيس للبيزنطيين قرب الياقوصة، حيث أمكن الدفاع عن أحد الطرق الواصلة بين مصر وسورية
وعمد إلى تثبيت خط قتاله نحو ممر الوادي جنوبا، ونسّق قواته على طول نهر ألان ليمتد إلى بلدة الجابية شمالاً
وضع على جناحه الأيسر المشاة السلافيين بقيادة قناطر، وهو أمير سلافي
وقاد جبلة بن الأيهم في الوسط في حين قاد ديرجان الآرمينيين
أما غريغوري فقاد قوات المشاة اليونانية المخضرمة على الجناح الأيمن
وقيل إن الفيلق الروماني الأخير، الفرقة الخامسة اليونانية كانت تحت قيادته
وامتزج بين صفوف المشاة الرماة
أما فرق الفرسان فكانت تدعم كل فرقة على حدة
قُدّر عدد الجيش البيزنطي بـ40 ألف جندي
وزع خالد مشاته في الناحية الأخرى ليناظروا طول الخط البيزنطي
حيث ثبت الجناح الأيسر على ممر الوادي الضيق جنوبا بينما وصل جناحه الأيمن إلى أطراف بلدة نوى
وعهد إلى عمرو بن العاص بإمرة الجناح الأيمن وشرحبيل بن حسنة وأبو عبيدة بن الجراح على الوسط
ويزيد بن أبي سفيان على اليسار والرماة بين صفوف المشاة
ووُضعت فرق الفرسان في مواقعها منعًا لأي اختراق في حين تولى خالد قيادة احتياطي صفوة الفرسان
وقُدّر جيش العرب بـ25 ألفا من المقاتلين الأشداء
سيعمل خط القتال الذي يمتد طوله إلى 10 كيلومتر عبر السهل على اختبار مستوى قيادة القادة من الجانبين
وفي الصباح المبكر يوم الخامس عشر من أغسطس، نظر الجيشان لبعضهما شزرًا
برز مقاتل عربي وأسقط ما عليه من درع وترس وصاح
أنا الموت المسلط على ذوي الوجوه الصفراء، أنا قاتل الروم، أنا البلاء الذي حل عليكم، أنا ضرار بن الأزور
تحدى عدد من الضباط البيزنطيين صنديد المسلمين
وما هي إلا دقائق قليلة حتى قطعهم ضرار إربا في قتال واحد
برز مزيد من صناديد المسلمين، ومع استمرار مشاهد المبارزة، رأى البيزنطيون ذبح عدد من ضباطهم بأم أعينهم
ثم عند حلول الظهر، أمر فاهان الجيش بالتقدم
وباستفادته من ميزة تفوقه العددي لتوسيع الجبهة فإن فاهان أجبر خالد على توزيع مشاته بخطوط ضيقة
وخطط لسبر أغوار خط المسلمين استهدافا لأية نقاط ضعف قد يستكشفها ليضرب ضربته فيها
وعلى إثر تقليص الجيش البيزنطي للمسافة أمر فاهان ثلث مشاته للتقدم على العدو
لم يكن القتال مكثفا، إذ اختبر الجيشان عزيمة بعضهما بعضا
غير أن فاهان تفاجأ من الإصرار الذي قاتلت به القوات العربية
ثم لاحظ أن ممر الوادي العميق جنوبا يقيد من حركة المناورة للفرسان
ويوفر حمايةً لجناح المسلمين الأيسر، في حين أن الأرض ناحية الشمال مفتوحة وتجعل من يمين المسلمين مكشوفا
أما خالد فكان واعيا لهذه المشكلة، فقرّب نفسه قليلا للميمنة ليتمكن من دعمها بسرعة عند الضرورة
وعند زوال النهار، ألغى فاهان الهجوم وأمر القوات بالعودة إلى مواقعها قرب نهر ألان
فكر القائدان خلال الليل ملياً بخطوتهما القادمة
أدرك خالد أن شن هجوم أمامي على عدو يفوقه عدداً وعدة مخاطرة خاصة إذا دعمتهم فرق الفرسان البيزنطية الثقيلة
أما فاهان مستعدا للهجوم وتشتيت صفوف المسلمين
وبوقت مبكر من صباح التالي تقدم القائد البيزنطي بكل قواته
كان ينوي أن يأخذ المسلمين على حين غرة أثناء إقامتهم صلاة الفجر
لكن خالد توقع ذلك
أمر بالليلة التي سبقتها ببناء مخافر رصد أمام خط الجبهة منعاً لأية هجمات مفاجئة
ومع أن فاهان فقد عنصر المفاجئة، إلا إنه ظل واثقا بجنوده المخضرمين والمتمرسين
فرسم القائد البيزنطي خطة تقضي بتركيز ضغط منتظم على وسط المسلمين
بغرض تثبيت أكبر عدد ممكن من قوات خالد بينما يركز الاختراق الأساسي لهجومه
من الجناحين حيث توقع الهيمنة على العدو وطرده من الميدان عبر عدده المتفوق
وما إن اشتبك الجيشان حتى ظهر أن جنود خالد ثبتوا في الوسط في وجه تقدم بيزنطي متباطئ
إلا أن الموقف بالنسبة إلى قواته على الجناحين اختلف
إذ هاجم قناطر ميمنة خالد بكل عنفوان
تماسك مشاة المسلمين الأقل عددا لكنهم دُفعوا إلى الوراء
أمر عمرو بن العاص فرسانه بإعاقة التقدم البيزنطي بغرض كسب الوقت لمشاته
عملت هجمات الفرسان المضادة على تقليل زخم الهجوم البيزنطي لكن قناطر واصل دفع المسلمين حتى تقهقروا لمعسكرهم
احتشدت النساء في المعسكر واشترك بعضهن في القتال
وقمن بتوثيق أقدام الجِمال حول المعسكر ليوفرن حماية إضافية
فاندلع قتال مستميت لم يتمكن على إثره البيزنطيين من زحزحة المقاتلين المسلمين الثابتين
تعثرت قوات فرسان قناطر الثقيلة مع توقف الخيول لاشتمامها رائحة الجمال الهائجة
ولم تعد تستجيب لأوامر من يمتطيها
فأمست بهذا القرب أرجل الخيول البيزنطية المدرعة وبطونها مكشوفة وأُنزل كثير من ممتطيها أرضا من أسرجتهم
لم يعد قناطر قادرا على الاستمرار بالهجوم
ومع فشل هجوم فاهان على ميمنة المسلمين، استغل خالد الفرصة
بالانقضاض على الثغرة التي انفتحت بين قناطر والوسط البيزنطي
فأمر عمرو بن العاص بإرسال فوج فرسانه لمهاجمة جناح قناطر من الشمال
وأمر عمرو بعد قدوم مدد من الفرسان بشن تقدم عام
فأجبر الهجوم الثلاثي قناطر بالتخلي عن موقعه المتقدم والتقهقر نحو الخط البيزنطي الرئيس
تمكن خالد من خلال ضبط إيقاع المناورات الجانبية ضبطا متقنا من طرد البيزنطيين بقوات قليلة
ولو لم يكن انسحاب قناطر انسحابا منظما حسب خبرته السلافية العريضة بسلاح المشاة لانهار الجناح البيزنطي تماما
لكن الموقف في ميسرة المسلمين كان أشد خطرا
فمع وجود أغلب وحدات خالد الراكبة على الجناح الأيمن، تعرض موقع يزيد بن أبي سفيان إلى الاجتياح
اخترق الفرسان البيزنطيون الصفوف ودفعوا باتجاه معسكر المسلمين
تقدم مشاة غريغوري بصعوبة وبطء حيث لم يستطع يزيد الأقل عددا إيقافهم
وواجهت قوات يزيد بتراجعها نحو المعسكر وابلا من الشتائم ورمي الأحجار
من النساء العربيات الشرسات اللاتي حرضوهم على عدم ترك العدو يهزمهم، واشترك بعض النسوة بالدفاع عن المعسكر
تمكن يزيد بنهاية المطاف من حفظ توازن خطه قرب المعسكر وصد العدوان البيزنطي مؤقتا
في الوقت الذي بان فيه أن خطة فاهان على ميسرة المسلمين تؤتي ثمارها، أظهر خالد مجددا قدرته على التكيف مع المستجدات بسرعة
فمع ثبات الجناح الأيمن، اندفع عبر ميدان المعركة لنجدة يزيد المحاصر
فأفرز فريقا من الفرسان بقيادة ضرار بن الأزور وأمرهم بالاستدارة حول الوسط البيزنطي
برهن هذا القرار أنه حاسم، لأن ضراراً بضربه لجناح الوسط البيزنطي
عمل على تثبيتهم في مواقعهم ومنع وصول أي مدد لغريغوري لتعزيز ضغطه على المسلمين
والأهم من ذلك أن هذه المناورة أعطت انطباعا لليونانيين أنهم تعرضوا للتطويق مما أضعف من معنوياتهم
أما من الناحية الأخرى للجناح الأيسر، فقد وصل خالد لنجدة يزيد باصطدامه مع فرقة غريغوري
تخلى اليونانيون عن الأرض بعد تعرضهم للضغط وتكبدهم خسائر فادحة في الجند
وتمكنت قوت ضرار أثناء قتالها في الوسط من قتل القائد البيزنطي ديرجان الذي حارب مع قواته في الجبهة
ومع غروب الشمس على الجيشين المنهكين توقفت العمليات القتالية لهذا اليوم
لقد تلقى فاهان ضربة عظيمة بفقدانه أحد أهم مساعديه
وكشفت سرعة الهجمات المضادة لخالد عن نقاط ضعف في خطته مما أجبره على تغيير أسلوبه
استؤنِفت المعركة بهجوم آخر من البيزنطيين على خط قتال المسلمين
لكن ركّز فاهان هذه المرة على جناح خالد الأيمن حيث بمقدور سلاح الفرسان الثقيل أن يحدث ضررا أكبر
وقع قتال مرير بشن سلاح الفرسان البيزنطي الثقيل هجوما تفوق فيه على الوحدات العربية الراكبة الخفيفة
تراجعت فرقة عمرو بن العاص وتبعه بعد وقت قصير شرحبيل
وبانكشاف جناح جبلة ببطء، برز خالد متحركا في هذه اللحظة الحرجة فهاجم مخترقا الثغرة باتجاه الجناح الغساني
ثم تمكن أخيرا عمرو من حشد قواته لإعادة الاشتباك
ونجح شرحبيل كذلك في إعادة تنظيم قواته عقب تكبدها بعض الخسائر ومضى للهجوم
تطور القتال ليصبح مجزرة رهيبة مع تلقي الغساسنة المطوقين لضربات ثقيلة فانسحبت انسحابا فوضويا
وعندما رأى قناطر ابتعاد جبلة عن القتال، انسحب أيضا لكن بأسلوب نظامي
أوقف هجوم التطويق الذي شنه خالد البيزنطيين مجددا
No comments yet. Be the first to leave one.